حسابات لمراحل استقلال كتالونيا عن مدريد

02-11-2017 07:50 AM كتّاب الأنباط

أنــس الطراونة

 

ذهبت المواجهة في استقلال كتالونيا عن اسبانيا وعاصمتها مدريد إلى مرحلة جديدة من الهشاشة السياسية ، وعدم اليقين الاقتصادي بالإضافة إلى اضطرابات اجتماعية . تحديدًا من بعد يوم 27 أوكتوبر، والذي وافق فيه البرلمان الكتلاني على إعلان الاستقلال من جانب واحد عن اسبانيا.

 بعد ذلك بفترة وجيزة، أذن مجلس الشيوخ الاسباني بسلسلة من التدابير ضد المنطقة المتمردة ، كما قام القضاء الأسباني باستدعاء رئيس الإقليم الكتلاني "بوجديمون" وإلغاء "استقلال" كتالونيا وفصل أعضاء الحكومة الكاتالونية، والاستيلاء على العديد من المؤسسات الكاتالونية، بما في ذلك الخزانة ووزارة الداخلية والشرطة الإقليمية . حقيقةً الحكومة المركزية الإسبانية في مدريد ليس لديها نية للسيطرة على كتالونيا بشكل دائم , فهي تريد بدلا من ذلك اجراء انتخابات اقليمية فى 21 ديسمبر لانتخاب حكومة كاتالونية جديدة، على الرغم من انها ستكافح في الوقت نفسه لتنفيذ إجراءاتها العقابية.

حتى هذه النقطة ، اتسم الصراع الكتالوني بتأخير التكتيكات والتهديدات والغموض من كلا الجانبين. حيث يُذكر بأن إعلان استقلال كتالونيا في 27 اوكتوبر جعل الصراع أكثر واقعية، ولكنه ليس اقل تعقيدًا , فهذه المرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية الإسبانية - وتحديدا منذ عودة اسبانيا إلى الديمقراطية في أواخر السبعينات - تُقرر فيها مدريد السيطرة المباشرة على مؤسسات المنطقة ذاتية الحكم , فمهما حدث بعد ذلك، سيكون غير مسبوق.

"المرحلة اللوجستية"

الدولة الإسبانية لديها الكثير من الأدوات لإدارة الانفصال الكتالونية. ولمدريد حق الوصول الكامل إلى محفظة النقود في كتالونيا، كما يمكنها أن تسيطر بشكل قانوني على قواتهم الأمنية . بيد أن إلغاء استقلال كاتالونيا، الذي يحتوى على 7.5 مليون شخص، وعلى مساحة 20 ألف ميل مربع، لن يكون سهلا . فذلك بدأ واضحا خلال استفتاء الاستقلال الذي أجري في الأول من أكتوبر الماضي عندما كانت مئات من مراكز الاقتراع تعمل دون محاكمات في معظم المدن الكتالانية بالرغم من مطالب مدريد بإلغاء التصويت.

دعت المنظمات الدولية المؤيدة للاستقلال الكتالوني إلى منع السلطات الإسبانية من الوصول إلى المباني العامة , لكن مع ذلك المنع والشجب من المنظمات .. حصل العديد من الاعتقالات بما في ذلك الأعضاء البارزين في الحكومة الكتالونية !! . وفي مواجهة مثل هذه الحالة المثيرة للجدل، قد تضطر السلطات الإسبانية إلى اتخاذ الخيار الأصعب وهو الرد بعنف على هذه الاحتجاجات . لكن الصعب في هذه الخطوة المدريدية يتوقف على استجابة الشرطة الإقليمية الكتالونية لمثل هذا القرار, فمدريد تحتاج إلى دعم قوات الأمن الكتالونية لكي تنجح.

حتى لو لم ينفجر العنف ، يمكن أن تؤدي الإضرابات الكتالونية في القطاعين الخاص والعام على حد السواء إلى تحدي كبير لمدريد , فجلب العاملين في القطاع العام تحت القيادة الإسبانية صعب جدًا . حيث يعمل حوالي 200 ألف شخص في حكومة إقليم كتالونيا ، ويعمل 90 ألف شخص آخر في إدارة البلديات. وعلى النقيض من ذلك، يعمل أقل من 000,30 موظف مدني في كتالونيا مباشرة للإدارة المركزية الإسبانية , وهذا يخلق مشكلة وعائق في مدريد: " فلا يمكن أن يرفض أو يعاقب كل موظف مدني يرفض إتباع الأوامر، وذلك لأنه سيكافح من أجل الاستعاضة عن عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية" .

 

وبطبيعة الحال ، ليس كل موظف مدني في كتالونيا سوف يعلن التمرد ضد الدولة الإسبانية , لأن قطاعات كبيرة من سكان كتالونيا تعارض الاستقلال . وعلاوة على ذلك، فإن الدولة الإسبانية ، بدلاً من الإدارة الكتالونية ، سوف تدفع الرواتب، والتي سوف تستـثـني العديد من العاملين في القطاع العام من عصيان الأوامر. ولكن في حقيقة الأمر حتى التمرد الجزئي ضد الحكومة الإسبانية والأعمال المتقطعة من العصيان السلبي يمكن أن يعرقل سير العمل الطبيعي للحكومة الكتالونية ، الأمر الذي من شأنه أن يقوض مبرر مدريد للتدخل لاستعادة "الطابع المؤسسي - المؤسسي" إلى كتالونيا.

"مرحلة الإصلاح المؤقت"

سيستمر عدم اليقين السياسي في الإضرار باقتصاد كتالونيا. فمنذ استفتاء الاستقلال، نقلت أكثر من 1500 شركة مقاعدها القانونية خارج كتالونيا، خوفاً من العواقب السياسية والمالية والاقتصادية للانفصال. وفي معظم الأحيان ، حيث  كانت هذه الخطوة هي عملية بيروقراطية ، كما أن عدم اليقين لفترات طويلة قد يؤدي أيضا إلى تأخير الشركات في اتخاذ القرارات الاستثمارية ويكون لها أثر سلبي على قطاع السياحة الدينامية في كتالونيا. نذكر يقيام غرفة التجارة في برشلونة مؤخرا بإرساء توقعاتها للنمو في الاقتصاد الكتالوني إلى 2.5 % لعام 2018 من بعد 2.7 %. فمن شأنه تباطؤ النمو الاقتصادي في كتالونيا أن يؤثر على الاقتصاد الإسباني أيضا، لاسيما أنّ البلد بأكمله سينمو بأقل من المتوقع إذا استمرت الأزمة الكتالونية إلى ما لا نهاية.

ومما لا شك فيه أن مدريد تدرك القيود المؤسسية والسوقية التي تواجهها ، فضلاً عن النتائج التي ستترتب على عدم الاستقرار السياسي إذا طال أمده على الاقتصاد. وهذا ما يفسر لماذا تنظر الحكومة إلى تدخل قصير في كتالونيا، وعمل انتخابات إقليمية مبكرة لتعيين حكومة جديدة . غير أن المشكلة في هذه الخطة هي أنه من المستحيل التنبؤ بنتائج الانتخابات الإقليمية. لأن عدم اليقين الاقتصادي والسياسي الناجم عن استفتاء الاستقلال قد يغير رأي بعض الناخبين المؤيدين للاستقلال.

فوفقاً لاستطلاع الرأي الذي أُجريَ مؤخرا لم تتغير مشاعر الناخبين كثيرا منذ الانتخابات الاقليمية الأخيرة في عام 2015 عندما فازت الأحزاب المؤيدة للاستقلال ب 48% من الأصوات , وحكمت على أغلبية المقاعد في البرلمان الكتالاني . ما تغير هو وِحدة الأحزاب المؤيدة للاستقلال , لأن الأحداث التي وقعت منذ الاستفتاء أدت إلى توتر وتباين في مواقف الأحزاب المؤيدة للاستقلال وخلقت توترًا بين بعضهم البعض! . لكن من وجهة نظر أخرى إذا كسبت الأحزاب الموالية لمدريد، فإنهم سيواجهون وقتا صعبا في تشكيل حكومة فعالة، نظرا لقلة ما لديهم من القواسم المشتركة مع الاحزاب المعارضة.

قد تحلحِل الانتخابات الكتالونية مشكلة الحكومة الاسبانية لبعض الوقت، لكنها لن تحل مشاكلها على الأمد البعيد ، خاصة إذا لم يسبقها إصلاحات مؤسسية . لذلك نرى تصريحات الحكومة الاسبانية بأنها مستعدة لزيادة تمويلها لكتالونيا وإصلاح الدستور الاسباني لتلبية احتياجات المناطق ذاتية الحكم الاسبانية , ولكن من غير المحتمل أن تكون قادرة على دفع عجلة الإصلاح الجاد قبل عودة الكتالونيين إلى صناديق الاقتراع. وما لم تستعد مدريد دعم بعض الكتالانيين الذين يدفعون إلى الاستقلال، فإن الانتخابات وحدها لن تنهي الصراع في المنطقة . وباختصار; إن الصراع الكتالوني للانفصال لن ينتهي بتدخل مدريد، فهذا لا يشكِل سوى مرحلة جديدة للتحدي فيما بينهم .//

Anastarawneh2@gmail.com