الحكومة والتمويل العمومي للصحافة

02-11-2017 07:51 am كتّاب الأنباط


وليد حسني

ثمة تفكير حكومي في صياغة مشروع تشريع تحت مسمى قانون صندوق دعم الصحافة تخصص له موارد مالية من موازنة الدولة السنوية ومن الاعلانات والتبرعات بهدف تمويل الصحف بمبالغ مالية سنوية ضمن أسس وقواعد ومعايير لم تتضح بعد.

وفي حال تبلورت الفكرة وصارت امرا واقعا فان الصحف المحلية قد تستطيع التغلب على أزماتها المالية وبالتالي تستطيع تجاوز التهديد بالإغلاق، كما ستنجح في بلورة خطاب ومحتوى إعلامي مختلف عما تقدمه هذا الأوان، لأن مثل هذا التمويل سينعكس وبالضرورة على اداء الصحفيين  والمؤسسات الإعلامية عامة سواء لناحية التدريب، أو لناحية التطوير الإداري الداخلي وقد تصل الأمور الى نوع من التنظيم الذاتي للمهنة الصحفية والإعلامية بشكل عام، بعد ان يشعر الصحفيون بتمتعهم بنوع متواضع من الأمان الوظيفي والمعاشي.

ولا تبدو فكرة إنشاء صندوق لدعم الصحافة بالفكرة الجديدة فقد سبق ذلك انشاء صندوق لدعم الثقافة منذ سنوات مضت، ولا اعلم على وجه اليقين أين ذهبت الأموال التي رصدت له، وهل تم تفعيله أصلا أم أنه بقي في عداد القوانين المعطلة، كما إنني لا أملك اية معلومات عما إذا تم اختبار ذلك القانون بالتطبيق أم لا؟.

وقد يقول قائل ان تخصيص صندوق حكومي لدعم الصحافة قد يؤثر سلبا على استقلاليتها في الإدارة والمحتوى، وسيساهم في تكريس السلطة الحكومية أكثر فأكثر في حال أصبحت الصحافة تتلقى تمويلا ماليا مباشرا من الحكومة ومن خلال ذلك الصندوق الذي سيكون بالتأكيد صندوقا حكوميا بامتياز.

والسؤال في حقيقته مشروع تماما، ولكن ثمة سؤال آخر يقابله وهو الى اي مدى يمكن ان يكون هذا التمويل الحكومي بشروط حكومية، وإلى أي مدى سيسمح القانون للحكومة بالتدخل المباشر في شؤون التحرير وفي إدارة المؤسسات الإعلامية التي ستتلقى ذلك التمويل.

لدينا في الأردن تجربة مهمة تتعلق بالتمويل الحكومي العمومي للاحزاب الأردنية، فالحكومة تدفع منذ بضع سنوات 50 الف دينار لكل حزب لغايات ضمان تشغيل الحزب ومساعدته في القيام بأنشطته السياسية والحزبية فضلا عن إدامة تشغيل المقرات الحزبية..الخ.

ولدينا تجربة أخرى لا تزال في طور الإنضاج وتتمثل بتلفزيون المملكة الذي يطمح لأن يكون ممثلا لمبدأ الإعلام العمومي ويعتمد على تمويل حكومي عمومي مباشر وهو امر معمول به في مختلف الدول في العالم وليست محطات البي بي سي البريطانية بعيدة عن تلك الفكرة التي لا بد لنجاحها من ضمانات قانونية راسخة بالاستقلالية شبه المطلقة، وهو ما يدفع بملكة بريطانيا بتجديد المرسوم الملكي باستقلالية البي بي سي كل عشر سنوات لتأكيد تلك الإستلاقلية وضمانها.

وفي دول عديدة في العالم فان الصحف تتلقى دعما ماليا حكوميا مباشرا في الوقت الذي تضمن القوانين كف يد الحكومة عن التدخل المباشر وغير المباشر في التحرير او في إدارة المؤسسات الحكومية، مما يؤمن ضمانة قانونية راسخة لإستقلال الصحافة حتى وهي تتلقى تمويلا حكوميا عموميا.

ولا يبدو التفكير في تاسيس وإنشاء صندوق لدعم الصحافة بعيدا عن فكرة اخرى يتم تداولها بوضوح هذا الأوان وتتعلق برفع نسبة حصول الصحف على الإعلان الحكومي لتصل الى 15 % بدلا من حوالي 10% من مجمل الإعلان الحكومي الذي ينحصر في صحيفتين، فضلا عن قرار الحكومة السابق برفع قيمة الإعلان الحكومي وهو قرار بدا ايجابيا للغاية.

بالمجمل فان على الحكومة التفكير جديا في خلق أفكار وبالتشارك مع المؤسسات الإعلامية لأجل خلق فرص أفضل أمام الصحافة الوطنية الأردنية لتبقى في المشهد الإعلامي الأردني، ولضمان استمرارية تشغيلها بدلا من المآلات المأساوية التي تنتهي عادة بإغلاق الصحف وانسحابها الأليم من المشهد الإعلامي المحلي.

من هنا على الحكومة وعلى المؤسسات الإعلامية مجتمعة البحث عن صيغة عملية واضحة للخروج من ازمة الصحف الورقية تحديدا، فليس من مصلحة البلد او الحكومات غياب الصحافة الورقية واقتصارها على صحيفتين او حتى صحيفة واحدة، كما ان على الصحف نفسها مغادرة العمل الصحفي التقليدي الذي أخرحها مبكرا من المنافسة والبحث عن بدائل أخرى جديدة لتتحول الى صحافة مفسرة ولتقدم مضمونا إعلاميا مختلفا يعتمد على الفنون الصحفية الراقية على نحو التحقيقات الإستقصائية الغائبة عن صحافتنا، ولتعتمد التحليل والتفسير والمتابعة وتبيان ما بين السطور، وبحرية إعلامية مسؤولة، وبغير ذلك فان صحافتنا اليومية الورقية ستخسر كل يوم زبائن جددا.

وعلى الصحف اليومية الورقية في هذا الجانب تقديم رؤيا إصلاحية حضارية حتى تدخل سوق المنافسة من جديد، وان تهتم بالمهمشين وبأصواتهم، وان تهتم اكثر بصوت الناس من المواطنين الذين لا صوت لهم، ويمكننا في هذا الجانب الحديث بشكل مفصل عما يمكن ان تجترحه المؤسسات الإعلامية في هذا الشأن من أفكار وخطط لتعود للمواطنين ولتستعيد القراء بعد ان فقدتهم وخسرت زبائنها وقوة تأثيرها في الشارع وفي الرأي العام الأردني.

وبالمقابل فإن للحكومة في حال أقرت مشروع قانون صندوق لتمويل الصحافة الحق بفرض رقابتها المالية على وجوه صرف تلك الأموال ومن خلال ذراعها الرقابي ديوان المحاسبة دون ان تكون لها اية سلطة على المحتوى الإعلامي أو الإداري.

وفي هذا الصدد أرى أن على الحكومة أن تعترف باننا ننهي الخمس الأول من القرن الحادي والعشرين ونحن على اعتاب الجيل الخامس من الإنترنت، مما يعني أن عليها الكف تماما عن سياسة الترضيات والمحسوبيات في تعيين المسؤولين في المؤسسات الإعلامية، وان تسلم بواقع الكون المفتوح الذي حول العالم من قرية صغيرة الى علبة كبريت صغيرة.//