لبنان.. صندوق رسائل

06-11-2017 08:48 am كتّاب الأنباط

لبنان.. صندوق رسائل

بلال العبويني

لطالما ظل لبنان "صندوق رسائل" للعديد من الدول، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، مرورا باتفاق الطائف 1989، رُسم له قدرا سيظل عاجزا عن تغييره باتجاه امتلاك قراره السياسي المستقل.

إذ لا يمكن لأحد القول إن الحكومة أو الرئاسة اللبنانية قادرة على اتخاذ قرار بمعزل عن اللاعبين الدوليين الأساسيين في لبنان، فغالبية السياسيين اللبنانيين ليسوا أكثر من ناطقين باسم حكومات الدول التي يدينون لها بالولاء وينفذون أجندتها على الساحة اللبنانية أو انطلاقا منها.

من هنا، يمكن القول إن رئيس الوزراء اللبناني لا يمتلك سيادة على قراره في الاستقالة التي أعلنها بشكل مفاجئ من الرياض، فهو لم يكن في ذلك الموقف أكثر من ناقل للرسالة السعودية، بل إن أغلب الظن أنه لم يعلم بقرار استقالته إلا قبل وقت قصير من إعلانها، ذلك أنه التقى قبل سفره إلى الرياض وفدا إيرانيا أظهرت الصور ما بينهما من تبادل الابتسامات.

على العموم، كانت الاستقالة بمثابة رسالة سعودية وضعتها في صندوق الرسائل اللبناني، لكي تصل إلى وجهتها في إيران، وهذا ما حدث عندما تلقت طهران الرسالة سريعا، وردّت عليها برفض الاتهامات التي أوردها الحريري في بيان استقالته.

لكن، ما هي الرسالة؟ وما الذي ستفضي إليه؟

ثمة من قال إنها رسالة على الصاروخ البالستي الذي أُطلق من الأراضي اليمنية باتجاه مطار الملك خالد بالرياض، وثمة من قال إن الرياض لا يروق لها أن تنتهي الأزمة السورية على هذا النحو حيث الأمور تسير باتجاه يرضي دمشق وحلفاءها وعلى الأخص إيران، وهو ما من شأنه أن يعيد عناصر حزب الله إلى لبنان منتصرين ما قد يساهم في توسيع وتعزيز نفوذ إيران في لبنان وسوريا وبالتالي يعطيها مزيدا من الراحة في دعم الحوثيين في اليمن.

لا شك أن السعودية ترى في انتهاء الأزمة السورية على هذا النحو تهديدا كبيرا لها، ذلك أنها تخشى من أن تشكل جماعة الحوثي حزب الله على مقربة من حدودها، وهذا ما أشار إليه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي في لقاء جمعه بمسؤولين يمنيين الأسبوع الماضي.

لذلك، فإن أفضل ساحة للمناورة بالنسبة للسعودية هي لبنان، وليس أفضل من قرار استقالة الحكومة لإعادة خلط الأوراق، لأن التوافق على رئاسة الحكومة في لبنان ليس بالأمر الهين دون الحصول على المباركة السعودية.

لكن الخشية الكبرى من تأزيم الوضع في لبنان على هذا النحو من أن يكون مقدمة لحرب كبرى تستغلها دولة الاحتلال ضد حزب الله في جنوب لبنان، ذلك أن تقارير غربية كثيرا ما أشارت خلال الأسابيع الماضية إلى تململ تل أبيب تجاه حزب الله بالإضافة إلى تخوف تل أبيب من زيادة النفوذ الإيراني العسكري في سوريا.

وتزداد الخشية من أن يكون توتير الوضع في لبنان يأتي في سياق استراتيجية الرئيس الأمريكي الجديدة تجاه إيران، وبما أنه من المستحيل ضرب إيران عسكريا على أراضيها فإن ذلك ممكن عبر الساحة اللبنانية، وعبر حزب الله.

لذلك، لبنان ليس أكثر من صندوق رسائل لدول الإقليم، والحريري لم يكن إلا ناقلا للرسالة في بيان استقالته، وهي الاستقالة التي سيكون لها ما بعدها وسيكون الشعب اللبناني ضحيته الأولى.

طبول الحرب تقرع في المنطقة، وأغلب الظن أن التوقيت بات قريبا. //