مفهوم الولاء والانتماء

08-11-2017 12:57 am كتّاب الأنباط

 مروان العمد

 

اذكر انه في نهايات خدمتي العسكريه كلفت بالقاء محاضره امام عدد كبير من الحضور من العسكريين ذوي الرتب العليا  حول الولاء والانتماء . وكان التكليف قبل دقائق من المحاضره لعدم تمكن المحاضر الاصلي من القيام بذلك وكانت المحاضره الاولى لي  ودون تحضير واعداد مسبق .

وقد تحدثت في ذلك المساء لمده ساعتين عن مفهومي الولاء والانتماء .  وسأتحدث  اليوم وبشكل ملخص عما ذكرته في تلك المحاضره والذي يعتمد على وجهه نظري الشخصيه  .

أن مفهومي للانتماء يتلخص بأحساس المواطن بمدى ارتباطه ببلده  الذي يحمل جنسيته وعشقه ومحبته له بحلوه ومره ،  وعلى الاغلب تُجمع الاغلبيه العظمى من المواطنين على هذا الانتماء باستثناء قله قليله تخرج عن هذا الاجماع

اما الولاء فأن المواطنين قد يختلفون به وحوله فهناك من هو موال للنظام في ذلك البلد وهم الذين يطلق عليهم الموالاه وهناك المعارضون لنظام حكمهم والذين يحملون افكارا وتصورات اخرى عن نظام الحكم وشخصيه الحاكم وهم المعارضه . وعندما يكون الطرفان منتميين لهذا الوطن فأنه يتسع للموالاه وللمعارضه حيث ان كلا منهما يقف في الموقف الذي يرى به مصلحه وطنه . ولكن عليهما العمل ضمن اطر القانون ومن غير الخروج عن الثوابت وألا تسود حاله الفوضى والاقتتال كما هو حاصل الآن في العديد من الدول العربيه .

الا انه ولخصوصيه وضعي الوظيفي ووضع الحضور الوظيفي فأن للموالاه عندي في هذه الحاله  مفهوماً واحدا وهو الموالاه للنظام . ولا يعقل ان يكون اعضاء هذه الاجهزه موالين  للمعارضه  حيث انهم حراس للوطن وحراس للنظام وليس عليهم رسم سياسات البلد ولكن تنفيذها وحمايه حدودها وضبط الامن فيها والا لتحولت البلد الى فوضى لا سمح الله وهذا المفهوم موجود في مختلف دول العالم ولكن الاختلاف هو بالسياسيين الذين يديرون النظام ومدى قربهم وبعدهم من تحقيق مطالب الشعب وعملهم على خدمته

ويبقى الخيار للعاملين بهذه الاجهزه اما  استمرارهم بالعمل بها او التخلي عن هذه المهمه اذا وجدوا أنفسهم اقرب للمعارضه او اذا وجدوا ان  النظام ورجال السياسه في بلدهم لا يخدمون الشعب حسب قناعاتهم  .

اما ان يستمر العاملون بهذه الاجهزه في عملهم الى ان يتم احالتهم على التقاعد فينزعوا عن انفسهم الثوب العسكري وثوب الموالاه ويرتدون ثوب المعارضه فهذا برأيي ليست معارضه بل هي انتهازيه او بحث عن دور آخر يلعبونه .

اما بالنسبه لي وموقفي من الموالاه والمعارضه فقد كانت البدايه معكوسه . فأنا من جيل اربعينيات القرن الماضي وممن عاشوا ظروف خمسينيات وستينيات هذا القرن  ولغايه عام ١٩٧٠  والتي كان يسود فيها الخطاب الثورجي والشعارات القوميه واليساريه والوحده العربيه وكنا نستمع للخطابات الحماسيه ونصدقها ونهتف لقائليها . صحيح اني لم انتظم بأي حزب من الاحزاب ولكني كنت اقرب الى احدى التنظيمات الفدائيه لتعلقي بشعار تحرير فلسطين . الى ان جاءت تلك السنه وجاءت معها فتنه الاقتتال الداخلي في الاردن بما عرف بأحداث ايلول حيث تغيرت الكثير من مفاهيمي ومواقفي .  ولذا ما ان اتيحت لي فرصه العمل بأحد الاجهزه الامنيه في بلدي مطلع عام ١٩٧٣ حتى بادرت لأستغلالها حيث تقدمت للوظيفه وتمت الموافقه على تعييني وصدرت الاراده الملكيه بذلك خلال اربع وعشرين ساعه لتكون اسرع عمليه تعيين في ذلك الجهاز .

ومن خلال عملي في هذا الجهاز تكشفت لي الكثير من الحقائق والمواقف وعرفت  حقيقه من كنا في الامس القريب نهتف لهم ونطرب لشعاراتهم لأجد أنهم لايساوون الا بضعة دنانير او منصب او جاه زائل . ووجدت انهم تجار يبيعوننا كلاماً ويبيعوننا عند اول مشتر . وان الاعلى منهم صوتاً هو الارخص ثمناً

ومن خلال عملي اصبحت اقرب للهاشميين ولجلاله المغور له بأذن الله تعالى الحسين بن طلال  والذي طالما كنا نلتقي به ويحدثنا باسلوب الاخ لأخيه او الاب لأبنائه حسب عمر السامعين وبتواضع ومحبه جعلنا نتعلق بهذا النظام ونتعلق بهذا الوطن ومستعدين للدفاع عنه بالمهج والارواح . نصل الليل بالنهار في العمل اذا تطلب الامر ذلك دون كلل ولا ملل ودون امتيازات ولا خاوات ولا زعرنات .

صحيح انه كانت في بدايات تلك الفتره احكام عرفيه فرضها الواقع الذي كانت تعيشه المنطقه ولكن وللحق يقال ان المعتقلين عندنا لم يتحولوا الى ارقام ولم يمت احدهم تحت التعذيب ولم يحجب احد منهم عن اهله وذويه ولم يحكم احدهم بالاعدام الا اذا كان على خلفيه قضايا ارهابيه ولم يكن الحكم ينفذ على الاغلب . ولم يسجن احدا  منهم لمدد طويله بسبب معتقداته الفكريه  والسياسيه وكانت الغالبيه العظمي من الموقوفين يتم اطلاق سراحهم بعد ايام من توقيفهم ودون محاكمات . وان كانت تفرض على بعضهم في بعض الاحيان بعض القيود المتعلقه بالسفر والعمل والتي انتهت مع عوده الديمقراطيه للبلاد وبقرار ملكي عام ١٩٨٩ .

واستمر الحال على ذلك حتى السابع من شباط عام ١٩٩٩ حيث فجعنا جميعاً بوفاه جلالته بعد صراع مع المرض وشارك العالم كله في جنازته التي لم ولن يشهد التاريخ لها مثيلاً . وبعد ان ظننا ان المستقبل اصبح مجهولاً امامنا جاء نجله جلاله الملك عبد الله الثاني ابن الحسين ليكمل المسيره فقادها بنجاح واستطاع ان يقود دفه البلد بسلام وسط هذه الامواج العاتيه المتلاطمه المدمره . ولذا فقد كان انتمائي طوال سني عمري اردنيا وكان ولائي هاشميا منذ عملت في هذا الجهاز وحتى الممات بالرغم من اني اُحلت على التقاعد منذ اثني عشرة سنه وبعد خدمه ثلاث وثلاثين سنة  خرجت بعدها  من عملي بسمعتي الحسنه واستقامتي والحمد لله والتي يشهد عليها جميع من عملت معهم او تعاملت معهم بمن فيهم من حققت معهم ، وكثيراً ما التقي مع بعضهم في المناسبات فيتعرفون علي ويذكرونني بأنفسهم وانني حققت معهم ويشهدون بحسن معاملتي لهم .

لا اقول هذا القول للتسويق لنفسي ولا للدعايه لها فلم يبق لي اي مطمح او مطمع ولا للمزاوده على احد لانه ولله الحمد فهذه صفه معظم الاردنيين ،  ولكن ليعرف الجميع لماذا اخشى على هذا الوطن وعلى هذا النظام في ايام اصبح كثير من  الحق يراد به كثيراً من الباطل  .

كم اخشى عليك ياوطني من عدو قاتل ومن صديق جاهل . كم اخشى  عليك ياوطني من الوقوع مابين المطرقه والسندان .//