أبحثُ عن كلب..؟

-2018-03-25 23:18:02 | كتّاب الأنباط
وليد حسني

 

وليد حسني

 

ليس بمقدوري الإعلان في الصحف عن حاجتي لكلب للحراسة ، فقد تجرأ لص على بيتي قبل يومين وفي ظنه انه سيجد أموال قارون في متناول يديه، ويبدو انه من الغباء بحيث أنه تسلل في الساعة الثامنة مساء وكنت لم أزل في كامل وعيي الليلي، وللحقيقة فإن من كشفه ابني الأصغر وبمحض الصدفة، وقبل أن أنتصر على وفرة لحمي وشحمي كان اللص الجريء قد غادر فناء البيت بكامل سلامته الشخصية تاركا الكثير من الأسئلة تجول في رأسي، وتدفعني لفرض المزيد من الإحتياطات الأمنية لتامين القدر الأكبر من السلامة المنزلية.

 

أبحث عن كلب لأن في الكلب صفات وله وظائف استخدمتها الدول والجيوش عبر التاريخ الإنساني الطويل، ويكفيني التأشير إلى سورة الكهف في القران الكريم الذي خلد كلب المؤمنين الهاربين من بطش السلطة" وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد".

 

وبالأمس وقبيل أيام كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يصف السفير الأمريكي بـ"ابن الكلب"، وقبل ذلك كان الكلب ولم يزل احد أبرز الاستعارات التي تحتمل الضد في التوصيف بين المدح والتحقير، وفي الحديث الشريف دخل رجل الجنة في كلب سقاه، وفي حديث آخر كانت هرة وليست كلبا.

 

وفي التراث جاء الشاعر علي بن الجهم من عمق البادية للخليفة العباسي المتوكل فانشده :

 

أنت كالكلب في حفاظك للود .. وكالتيس في قراع الخطوب

 

ففهم المتوكل تاثير البيئة عليه ، فأنزله منزلا رغدا اقام فيه ستة أشهر ليعود اليه في قصيدة تذوب رقة وعذوبة ومن اروع ما قيل في الشعر العربي :

 

عيون المها بين الرصافة والجسر .. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

 

ولو أن المقام يتسع هنا لتعداد محاسن وفضل الكلاب لفاض الكلام واتسع، ولكن يكفيني استدرار ما عيَّر به ابو العلاء المعري أشباه المثقفين في عصره عندما قال" الكلب من لا يحفظ للكلب ستين اسما"، ليذهب السيوطي بعد ذلك بقرون ليضع رسالة سماها "التبري من معرة المعري"، ولا أجدني أفيض هنا في تبرير بحثي عن كلب وأنا أحيل قارئي الكريم إلى كتاب" فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" لإبن المرزبان.

 

أبحث عن كلب تتصارع فيه كل طقوس ورموز السياسي ، وسطوة الجلاد، وفضيلة الوفاء، والشراسة والحدة، واللين والقوة، والسماحة والجبروت، والطاعة والتمرد، والجوع والشبع، ليس من فصيلة الكلاب التي تعوي بسبب وبدون سبب، وليس من فصيلة الكلاب التي تعتبر الصمت في كل وقت من ذهب.

 

في موروثنا الديني فإن الكلب مدان، ونجس، ولا يجوز اقتناؤه في المنزل لأن الملائكة لن تدخله، فهو كائن مدان دينيا، ينزع البركة من البيت، ويطرد الخير، وفوق ذلك فإن مجرد لمسه سيوقعك في النجاسة"مفهوم هلامي غامض "، يوجب عليك التطهر منه، وإذا وضع فمه في وعاء عليك تطهير ذلك الوعاء سبع مرات إحداها بالتراب لإزالة تلك النجاسة.

 

كلما قرأت مجموعة هذه الأحاديث المروية عن النبي عليه الصلاة والسلام ولا علم لي بما قاله اساطين الجرح والتعديل في رواتها، أضحك كثيرا لأن ذهني بكامل أناقته البسيطة يذهب سريعا للتحديق في صورة بعض السياسيين ممن يعيثون فسادا في أرض العرب، وأقول في نفسي بالتاكيد الكلاب بريئة من هذه التوصيفات..

 

أبحث عن كلب ليس له علاقة بالسياسة ليحرسني، وإذا جاع لا يأكلني..//