مسیحیو الشرق.. جذر غائر في عمق التاریخ

-2018-12-17 01:28:21 | مقالات مختارة
حسين هزاع المجالي

نعیش ھذه الأیام في رحاب الأعیاد المقدسة للإخوة المسیحیین، شركاء الدم الذین وقفوا إلى جانب إخوانھم وشركائھم في الأرض للدفاع .عنھا ضد ما تعرضت إلیھ من ھجمات استعماریة عبر مر العصور إن مسیحیي الشرق، ھم ملح الأرض الذین تمتد جذورھم في بلادنا إلى بدء الخلیقة؛ وھم الذین ساھموا مساھمة أصیلة في بناء مجتمعاتنا .والانصھار فیھا منتمین إلى ثقافتھا حاملین ما انبثق عنھا من عادات وتقالید محلیة وقیم إنسانیة مستمدة من ذلك المنبع الشرقي الأصیل لقد تعرض مسیحیو الشرق عبر العصور إلى حملات منظمة تسعى إلى سلخھم من جذرھم الشرقي عبر الدفع بھم إلى الھجرة الطوعیة تارة أو إلى التھجیر القسري تارة اخرى، غیر انھم ظلوا قابضین على الجمر متمسكین بھویتھم المشرقیة ومدافعین عنھا، وملتصقین بالأرض .التي أنجبتھم لینثروا فیھا ما جبلوا علیھ من محبة وتسامح وسلام عبر العصور، لعبت العدید من الشخصیات المسیحیة في بلادنا دوراً بارزاً في إذكاء الروح الوطنیة والشعور القومي للدفاع عن مصالح الأمة العلیا، ضد المطامع الاستعماریة، وھو ما لم یرق لأعداء الأمة، الذین ظل الھدف بالنسبة إلیھم إضعاف الكنائس في المشرق .وتجریدھا من دورھا الحقیقي، والغاء طابعھا وخصوصیتھا الروحیة وأصالتھا والتصاق أتباعھا بأرضھم ومجتمعاتھم لذلك فإن المؤامرات الغربیة على مسیحیي الشرق بھدف استئصالھم من جذورھم وتھجیرھم ھي في الواقع ظلت مؤامرة على مشرقنا لتغییر ملامحھ وتفتیت مكوناتھ وإنھاء خصوصیتھ التاریخیة والحضاریة، وھذا ما استوعبھ مسیحیو الشرق مبكرا ووقفوا في وجھھ بكل .قوة حفاظا على أرض الأنبیاء والأجداد في الواقع، إن مسیحیي بلادنا لھم خصوصیة على غیرھم، في انصھارھم المجتمعي والعیش المشترك مع إخوانھم المسلمین، فلا یكاد المرء یفرق بین أي منھما حیث یحترم الواحد منھما الآخر ویقدس خصوصیتھ الدینیة وحریتھ في التعبد للرب الواحد الأحد الذي نشترك جمیعا .في عبادتھ وكذا الحال بالنسبة للإخوة المسیحیین في فلسطین الذین ما انفك الاحتلال الإسرائیلي منذ بدء الاستیطان لزرع الفتنة بینھم وبین أشقائھم المسلمین، غیر أنھم ظلوا مؤمنین أن الأرض أرضھم ومھد نبیھم مدافعین عنھا ومقدمین في سبیلھا قوافل الشھداء الذین رووا بتضحیاتھم .ثرى فلسطین الطاھرة المسیحیون في بلادنا قدموا الكثیر من الكفاءات التي ساھمت مع أشقائھم المسلمین في بناء الدولة الحضاریة التي ننعم بمنجزاتھا الیوم، .والتي نعیش في أفیائھا شركاء حقیقیین لا یمیزنا شيء إلا الكفاءة والإقدام في تقدیم الخدمة للدولة والمجتمع فعبر التاریخ ثمة مبادرات مختلفة ومتنوعة تؤشر إلى مدى الإنصھار المجتمعي بین مختلف مكوناتھ، ومنھ على سبیل الاستشھاد لا الحصر، ما یقوم بھ الإخوة المسیحیون من مبادرات في رمضان المبارك تجاه إخوانھم المسلمین، وكذا الحال ما یقوم بھ المسلمون من مبادرات تجاه إخوتھم المسیحیین في أعیادھم ومناسباتھم المقدسة، وفي ما نراه من تزاور مشترك ومن تبادل التھاني بالأعیاد والمناسبات .الاجتماعیة المختلفة والوقوف إلى جانب بعضھما البعض في المحن والشدائد إن دور العبادة، المساجد والكنائس، مقدسة لدى الجمیع أیما تقدیس ویحرص الجمیع على إبقائھا بیوت عبادة ومناراة علم ومعرفة یشاع من بین جنباتھا المحبة والسلام، لذلك فالجمیع حریص كل الحرص على إبقائھا شاھدا على ما ینعم بھ الجمیع من حریة تعبد وشاھدا على المحبة القائمة على غریزة حب الآخر التي یتمتع بھا مجتمعنا ما یمیزه عن سائر المجتمعات التي تُعلن فیھا حالة الطوارئ إذا ما حلّت .مناسبة دینیة مقدسة الیوم، ونحن نعیش في رحاب الأعیاد المقدسة لإخواننا وشركائنا، فحري بنا أن نجعلھا مناسبة لإعادة التأكید على العیش المشترك وعلى المحبة والسلام وقبول الآخر الذي ینعم بھ مجتمعنا، بمبادرات إنسانیة یصل صداھا إلى كافة بقاع الأرض للتأكید على خصوصیة مجتمعنا .وعلى ما یتمیز بھ من عیش مشترك بین مختلف مكوناتھ الاجتماعیة المسیحیون في بلادنا، ھم ملح الأرض وجذر متین غائر في أعماق التاریخ، فلھم منا كل الحب والمودة، موصولة بتمنیاتنا لھم بأعیاد مجیدة في ظلال أردننا الواحد الذي نطمح جمیعا أن یظل على أحسن حال وینعم بالأمن والأمان وأن یظل منارة تتطلع الأمم إلى أن تحذو حذوه في .إشاعة المحبة والسلام بین مختلف مكوناتھ الاجتماعیة