المناصب والمناطق

-2019-02-20 00:04:06 | مقالات مختارة
فهد الخيطان

ي معرض الرد على اتھامات لقیادة جھاز الأمن العام بالمحاباة الجھویة في التعیینات القیادیة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي والإعلامي قائمة تفند ھذه المزاعم وتشیر بالاسم لمواقع قیادیة في الجھاز یتولاھا ضباط كبار من محافظات شمال وجنوب المملكة. لا اعتقد أن قیادة الأمن العام ھي المسؤولة عن القائمة الثانیة، لكن الحالة برمتھا تؤشر على أزمة عمیقة على المستویین الرسمي والأھلي. من ناحیة أولى، أجد في نشر قوائم تفصیلیة بأسماء ضباط كبار ورتبھم العسكریة والمواقع التي یشغلونھا، تعدیا على خصوصیة جھاز أمني لا یفترض أن تكون أسماء ضباطھ ومناصبھم متاحة على صفحات التواصل الاجتماعي على ھذا النحو. من الأساس التغییرات الداخلیة والتنقلات والترفیعات في الأجھزة الأمنیة ینبغي أن تبقى سریة قدر الإمكان، لأننا بھذا القدر من الشفافیة المفرطة نوفر معلومات أمنیة یمكن أن یستفید منھا مجرمون ومطلوبون للأمن، أو جھات خارجیة. لكن الأخطر من ذلك، انتقال عدوى الجھویة والمناطقیة إلى أجھزة الدولة السیادیة ومؤسساتھا الحساسة. نعلم أن ھذا النوع من المحاصصات لیس جدیدا على مؤسسات الدولة الأردنیة، لكنھ بات یطفو على السطح، في مؤشر على تراجع قیم الدولة الوطنیة لحساب الھویات الفرعیة. كان حلم المؤسسین الأوائل بقیادة الھاشمیین بناء نواة لدولة عربیة متحدة تكون شرق الأردن منطلقا لھا. ومن یراجع تركیبة الحكومات الأولى في عھد التأسیس سیلحظ أن أغلبیتھا من الزعامات العربیة التي دعمت الثورة العربیة الكبرى وقاتلت من أجل استقلال العرب. القوى الاستعماریة الغربیة اغتالت حلم الھاشمیین والعرب، لكن الدولة التي تأسست في شرق الأردن ظلت أمینة على قیمھا العروبیة. ومع تطور الكیان السیاسي للمملكة أصبحت الدولة الوطنیة

الأردنیة ھى المكسب والمنجز بعد فشل كل محاولات الوحدة العربیة بمختلف مستویاتھا. مفاھیم الدولة الوطنیة ھى التي شكلت ھویة الأردن، ودمجت مكوناتھ كافة في كیان سیاسي واحد. النظام السیاسي بمؤسساتھ كان النموذج لحالة الانصھار الوطني. ولم یكن لأحد ان یفكر بالسؤال عن ھویة أو منطقة المحافظ الجدید في محافظتھ أو مدیر الشرطة. حتى تشكیلة الحكومات لم تكن تخضع لھذا القدر من المحاصصة، رغم الإقرار بوجودھا لضمان تمثیل جمیع المكونات. كنا أقل حساسیة تجاه الھویات الفرعیة والانتماءات الجغرافیة، لأن الشعور بالھویة الوطنیة الجامعة كان یطغى على كل الھویات. ماذا یعني أن یكون أغلبیة قادة مؤسسة رسمیة من السلط أو الكرك أو عمان؟ ما یعنینا ھو الأداء والعمل بإخلاص لیس إلا. ینبغي أن نستعید ھذه الروح، ونكف عن الشكوى والتذمر من عدم تمثیل أنباء ھذه المنطقة أو تلك. لكن قبل ذلك، على القائمین على قیادة المؤسسات أن یتصرفوا بإخلاص لقیم الدولة، ویكون معیارھم في الترقیة والتعیین الكفاءة والجدارة. لقد أسرفنا في السنوات الأخیرة بممارسة سیاسة الترضیات لكسب الدعم، فصارت التعیینات والخدمات توزع وفق الطلبات لا الحاجات، ودون اعتبارات الجدارة، لإرضاء نواب أو متنفذین. وقد أغرى ھذا الأسلوب أوساطا اجتماعیة للمطالبة بحصتھا في كل مؤسسة وكأن الوظائف والمسؤولیات مجرد مكافآت یجري توزیعھا كعطایا ومنح.