أحجية الجمعية والجماعة

12-06-2019 09:35 PM كتّاب الأنباط 712

 وليد حسني

حسم القضاء الأردني الخلاف على الميراث المالي بين إخوان الأمس وأعداء اليوم ممثلين بجماعة الإخوان التي باتت تعرف بـ"غير المرخصة" وجمعية الإخوان التي تحمل صفة"المرخصة "، حين قال القضاء بوضوح ان جمعية الإخوان التي تأسست سنة 1946 انحلت ولم يعد لها اي وجود منذ سنة 1953 .

ولم يقل القضاء إن الجمعية المنحلة منذ 66 سنة مضت تحولت الى" جماعة الإخوان المسلمين " وبترخيص جديد توافق قي حينه مع قانون الجمعيات الخيرية لسنة 1953.

بقرار القضاء الصادر من محكمة التمييز يكون أحد أبرز وجوه الخلاف بين الإخواني المرخص، وغير المرخص قد انتهى لصالح الجماعة الأم، ولم يعد بامكان المرخصين المطالبة باملاك واموال واستثمارات الجماعة، ليفوز الاخوان غير المرخصين بجولة مواجهة قانونية مع الخارجين عليها من قياداتها وكوادرها ، وهو الخروج الذي تم برعاية حكومية كان يستهدف في حينه تحقيق عملية تفكيكها الداخلي ليخرج من رحمها ثلاثة تنظيمات هي الجمعية المرخصة بقيادة المراقب العام الاسبق للجماعة عبد المجيد الذنيبات، وحزب المؤتمر الوطني"زمزم " بقيادة د. ارحيل غرايبه، وحزب الشراكة والانقاذ ممثلا بالمراقب العام الاسبق للجماعة سالم الفلاحات.

 

لم تذهب الحكومات في سياساتها تجاه الجماعة الأم غير المرخصة الى حد كسر العظم معها، بل ظل الوضع القائم بينهما في سياق المناورة والتهديد والوعيد، بدءا بوضع اليد على جمعية المركز الإسلامي وانتهاء بالقرار القضائي الذي أعلن عنه امس، بينما كانت الجماعة نفسها تدرك حجم مشكلتها القائمة مع الحكومة ومع الخارجين عليها من أبنائها، وما يمكن ان تواجهه في قابلات الأيام، فركنت عصاتها جانبا وآثرت ممارسة دورها السياسي في سياق العلاقة الناعمة مع الدولة، ولم تتحرج أبدا من الغياب عن الكثير من المناسبات الوطنية، وبدأت بالانسحاب التدريجي من حلقة شركائها في أحزاب المعارضة، واكتفت بممارسة دورها السياسي المعارض في إطار ذاتي تعتمد فيه على نفسها ووفقا  لخططها التي حرصت من خلالها على تحاشي أي صدام مع السلطة.

 

الدولة في هذا الأوان لا تريد التضحية بالجماعة غير المرخصة، وكأنها تبدي تراجعا عن سياستها السابقة في رعاية وتعظيم التفكيك الداخلي للجماعة، وليس ادل على ذلك من رفض الأردن أكثر من مرة إعتبار الجماعة غير المرخصة جماعة إرهابية يحرم عملها في الأردن، وهو الموقف الذي حدى الأردن فيه حلفاء له في المنطقة والإقليم فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها.

 

في عام 1946 رعى الملك المؤسس عبد الله الأول تاسيس الجماعة في عمان، بل وعرض على مؤسسها حسن البنا البقاء في الأردن وتشكيل حكومة مسبغا عليه لقب الباشوية، إلا ان البنا اعتذر عن تلبية رغبة الملك، لكنه لم ينس هذه اللفتة الملكية، ونجح هو وجماعته في تنظيم أعظم استقبال شعبي تشهده مصر حين زار الملك المؤسس القاهرة.

 

وللجماعة عبر تاريخها الأردني ظلت التنظيم السياسي الديني الأكثر وفاء والتصاقا بالدولة وبالقصر، وللحقيقة فانها انخرطت في كل المواجهات الحاسمة والصاخبة التي وجد الأردن نفسه طرفا فيها، خاصة بعد ان أن اصبحت الحرب الباردة واقعا يفرض على الدول الانحياز إما لمعسكر الشرق وإما لمعسكر الغرب، واختار الاخوان الانحياز الى معسكر "الإيمان" ممثلا بواشنطن، ضد معسكر الكفر والإلحاد ممثلا بــ"موسكو" ومعسكرها الشيوعي.

 

هذا الإنحياز الاخواني منح الجماعة فرصة البقاء على الساحة الأردنية للعمل في العلن وتحت الشمس في الوقت الذي حلت فيه الأحزاب وطوردت وحوصرت، ليبقى المجال مفتوحا امامهم تسلموا خلاله منابر المساجد، والشوارع ثم الجامعات لاحقا، وطيلة فترة الحرب الباردة وحتى انهيار جدار برلين والاتحاد السوفييتي ظل الاخوان الأكثر وفاءا لمعسكر "الإيمان الأمريكي" وهو ما دفعهم بكل قوة لمواجهة المد القومي والماركسي، وليس أدل على ذلك من انخراطهم في المواجهة الامريكية السوفييتية في افغانستان.

 

تبدل المصالح، والانتقال من محور القطبين الى القطب الواحد، وما شهده العالم من تحولات جذرية أدى بالإخوان المسلمين ليصبحوا فرقاء مع حلفائهم، ثم أعداء، ولعل أبرز ما يمكن قوله هنا ان السعودية كانت تطبع مؤلفات سيد قطب وغيرها وتوزعها على مدارسها في وزارة المعارف، واليوم تصنف الجماعة في الرياض باعتبارها منظمة إرهابية.

 

ان الحديث عن الجماعة يطول هنا وبما لا يحتمله المقام، لكن كان ولم يزل على الجماعة أن تنخرط داخليا في مراجعات تستهدف من خلالها تصويب مسيرتها، وقد فعلت ذلك بعد ان انخرطت في المشروع الأمريكي الذي اطلقه كولن باول سنة 2004 واصبحت الجماعة في الأردن مشاركا رئيسيا في حوارات غير مباشرة مع الإدارة الأمريكية عن طريق معهد كارنيجي الذي يبدأ بادارة حوارات مباشرة نيابة عن الخارجية الأمريكية مع الجماعة في الأردن ودول عربية اخرى في العاصمة الإيطالية روما فيما يعرف بــ"حوارات روما" بدات سنة 2005 وظلت ممتدة لسنوات طويلة لا أظنها انتهت حتى اليوم، وشارك في تلك الحوارات أسماء عديدة من قيادات الجماعة المعروفين.

 

اليوم الجماعة والجمعية على مفترق طرق، ولعل تمسك الأردن بموقفه برفض اعتبارها منظمة إرهابية يفتح الباب على مصراعيه للذهاب بعيدا في تصور السيناريوهات المقبلة التي ستحكم العلاقة بين الدولة والجماعة غير المرخصة وبين الجماعة نفسها، ومواليدها الذي ولدوا خارج فراشها بالرغم من ان الحمل تم في رحمها.

تنويه

* تتم مراجعة كافة التعليقات من قبل ادارة الموقع.
* للادارة حق حذف اي تعليق يتضمن اساءة او خروج عن الموضوع المطروح, او ان يتضمن اسماء اي شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او المذهبية او العنصرية.
* للادارة الحق بحظر اي شخص يكرر المخالفات بنشر تعليقات غير مناسبة وايقافه عن التعليق بشكل نهائي.
* التعليقات تعبر عن رأي اصحابها فقط.