تحليل جريمة جرش... والدرس المستفاد

الخميس-2019-11-07 | 09:47 am مقالات مختارة
الدكتور بشير الدعجة

الأنباط -


جريمة جرش من المنظور الأمني جريمة عادية تحدث في اي رمان ومكان وفي أي دولة مهما كانت متقدمة في اساليب الحماية والحراسة للسياح او لمواطنيها والشواهد كثبرة في عدة دول اوروبية والولايات المتحدة الامريكية... هذه اادول التي تملك افصل التكنلوجيا الامنية ووسائلها الا انها اخفقت في ضبط طرقها واماكنها العامة من الجريمة بشتى انواعها...

حادثة جرش اخذت بعدا اعلاميا وراي عام دولي كون من بين ضحاياها سواح اجانب... وهنا كان مكمن خطورة الحادثة حيث وصمت وكيّفت مباشرة بجريمة ارهابية...

استبعد ماذهب اليه الكثير على انها جريمة إرهابية لاسباب عدة... ابرزها ان جنسيات السواح من الجنسيات المسالمة التي لم تتورط بلادها بحروب او نزاعات او تدخلات في شؤون الغير.. فهم اي السواح ليس هدفا انتقاميا لسياسات بلدانهم.... اضف إلى ذلك ان نصف المصابين أردنيين وبالتالي هذا دليل قاطع ان الجريمة ليست بارهابية وانما انتقامية لظلم قد تعرض اليه الفاعل - حسب قناعاته - واراد الانتقام...

كذلك اداة الجريمة المستخدمة (سكين) مطبخ... فهي اداة بسيطة ولو كان خلف هذا الفاعل تنظيم ارهابي لتم تزويده باسلحة ومسدسات اتوماتيكية لايقاع اكبر عدد من الضحايا.. ولكان اخراج السيناريو للجريمة بصورة اكثر دقة وتنظيما وتخطيطا وليس بصورة بدائية وعشوائية وبأدوات جرمية بسيطة...

الفاعل يعمل بمنطقة الحادثة منذ سنوات ومعروف للجميع بما فيها الأجهزة الأمنية، فسلوكه وتصرفاته وشخصيته يعرفها رجال الاجهزة الأمنية العاملين في منطقة الحادثة ولو كان لديه ميول واتجاهات وسلوكيات ارهابية لتم معرفة ذلك منذ زمن وتعاملوا معه بالطريقة المناسلة للحد من خطورته... اضف إلى ذلك انه لو كان ارهابيا لرتكب جريمته في عز الموسم السياحي وكثافة السواح التي تصل إلى المئات يوميا كما اختار الجنسيات المستهدفة وليس الهجوم على جنسيات بلدانها لا ناقة لها ولا جمل على مستوى العالم او الهجوم على اردنيين وطعنهم ليحقق انتقامه الارهابي...

اعرج هنا على الرأي الذي يتحدث عن ان الجماعات الإرهابية غيّرت من تكتيكاتها واساليبها وخططها الارهابية في الاردن بحيث اصبحت تعتمد على العمل الفردي ( الذئاب المنفردة) لإرتكاب جرائمها بلا من (المجموعات) لسهولة الحركة والتخفي والبعد عن الشبهات والقدرة على ارتكاب الجريمة بصورة اسرع وافضل من المجموعة الواحدة... فاعتقد ان هذا الكلتم غير صحيح... فلو كان مرتكب حادثة جرش ذئباً منفرداً ينتمي لتنظيم ارهابي لكان المدخلات والعمليات والمخرجات اكثر دقة وافضل تخطيطا وتنظيماً واخراجاً... فالمتدبر والمحلل للحادثة يجد انها جريمة عشوائية وليدة اللحظة... ادواتها بدائية... اهدافها غير منتقاة بدقة وعناية... ادواتها بسيطة وليست ادوات تستخدمها التنظيمات الإرهابية.. فالارهاب يخطط ويستخدم ادوات جرمية ذات فاعلية ونتائج واسعة تصل إلى بضع من الوفيات وعشرات الجرحى وترك اثر نفسي كبير لدى المواطنيين واحداث بلبلة وارباك للدولة واجهزتنا الامنية وهذا كله لم يحدث... وهذا يبعد بصمات التنظيمات الارهابية على هذه الحادثة...

ستكشف تحقيقات الأمن العام بان الحادثة هي ردة فعل متسرعة من الفاعل لأمر ما آني قد تعرض له ولم يسيطر على غضبه واراد الانتقام ولم يجد الا سائح ومواطن أردني لتفريغ غضبه و(يشفي) غليله...

اما مادار على منصات التواصل الاجتماعي... فقد رصدت ردود الفعل على الحادثة وللأسف افرزت كثير من المواد (البوستات ) والتعليق عليها خلل مناطقي واقليمي بغيض... فقد ترك كاتبوها الجريمة... وبحثوا عن هوية الفاعل وجذوره وجنسيته... وهذا امر خطير ولا بد الوقوف عنده وان لايمر مرور الكرام... فهذا سرطان خبيث وسينتشر مع مرور الزمن ان لم نجد العلاج الشافي له. ... فما علاقة الجنسية والأصل والعائلة بارتكاب الحادثة... هل الفاعل شاور جنسيته وعائلته بارتكاب الحادثة؟ الم يرتكب اردنيين ومن عائلات نقدرها ونحترمها حوادث إرهابية؟ لماذا لم نركز على جنسية وعائلة وبلد من ارتكبوا جرائم قلعة الكرك والفحيص والسلط وغيرها؟ لماذا ترك البعض الحادثة واصبحوا يبحثوا في الأصول والفروع؟ أليس هذا دليل على اقليميتهم وانفسهم المريضة والتفرقة بين الاخ واخيه... ودق الآسافين في جسد المجتمع الأردني الواحد؟...

أجهزتنا الامنية نفتخر بادائها واحترافيتها وما حدث لا يفت من عضدها او وصمها بالضعف وعدم الاستعداد والانتباه لمثل هذه الحادثة، فالجريمة ستقع في اي لحظة مهما كانت دقة اجراءات واحتراز الاجهزة الأمنية، والشواهد العالمية كثيرة وما حوادث بلجيكا وروسيا والولايات المتحدة ببعيد...

فالجريمة مستمرة في كافة انحاء العالم وطرق واساليب الحد منها مستمرة لكن في النهاية ( تفلت) احد الجرائم من الإجراءات والاحترازات والخطط والحواجز الأمنية... فاذا كانت معدلاتها ضمن الحد الطبيعي والمعقول فلا ضير اما اذا زادت عن ذلك فهنالك خلل كبير بهذه الأجهزة الأمنية..

المواقع السياحية بحاجة إلى اعادة النظر في الخطط الامنية الخاصة بها وتقييمها من جديد... بما فيه العاملين داخل هذه المواقع والتأكد من اتجاهاتهم ومعتقداتهم وسلوكياتهم... كما أن للاسرة دور كبير في مراقبة افرادها والتأكد من سلامة سلوكياتهم وفكرهم وميولهم العقائدي... والابلاغ عن أي طاريء او خلل فبها للأجهزة اامعنية التي لا تتواني في إيجاد العلاج المناسب والسيطرة على الشخص واعادته انسان سوي السلوك والمعتقد.. قبل استفحال خطره..

الحادثة وقعت وهو امر طبيعي في عالم الجريمة وستقع في المستقبل حوادث مشابهة وأكثر خطورة... فما دامت هنالك حياة فالجريمة واقعة لا محال... لكن يجب التصدي لها والحد منها... فالاجهزة الامنية عليها التفكير والاستعداد دائما لهذه الجرائم ومحاولة منع ووقعها... والإعلام عليه واجب التوعية والتثقيف المستمر واعادة بناء الانسان بناء ايجابي سلوكيا ومعتقدا وفكريا... والأسرة عليها التنشئة الصحيحة السليمة ومراقبة سلوكيات افرادها وتصحيح السلبي منها مع أجهزة ومؤسسات الدولة قبل تشكل خطورتها.... وللحديث بقية