أول " رئيس تحرير " كامرأة عراقية لصحيفة " بغداد أوبزيرفر "

قيادات نسائية ناجحة

ناصرة سعدون للأنباط : احتلال العراق شبيه  بالاحتلال الاسرائيلي ومعاناتنا مشتركة

المرأة تدفع ثمن الحروب تاريخيا كونها الحلقة الأضعف مجتمعيا

" داعش " صناعة أمريكية بامتياز ولم تكن موجودة في العراق بل هي وليدة " قاعدة أفغانستان "

كرست مسيرتي الروائية لتجسيد هموم المرأة العراقية

الإعلام العراقي قبل الاحتلال كان إبداعيا زخما مقروءا

الإعلام العراقي ما بعد الاحتلال جاء هشا ركيكا خاليا من المهنية يمتاز بنفس انعزالي

رواياتي غطت العراق اجتماعيا واقتصاديا من وجهة نظر المواطنين وليس الحاكم

الأدب العراقي عريق كونه نتاج مجتمع حضاري دسم فكريا أنتج الشعر الحر

الحصول على متطلبات حياتنا كعراقيين يمثل لنا تحديا وصعوبة يومية متجددة

 

الأنباط – رنيم دويري

 

قارب عمرها على السبعين، مزجت بين الرواية والترجمة والصحافة والاقتصاد ،أعطت كل عمل حقه ولم تقصر بجانب على حساب آخر، استهواها فن كتابة الرواية ، أدمنت القراءة حتى باتت لا تغادر صفحات الكتب ، لم تسر على خطى شخص بذاته وانما تثير اعجابها من فترة لأخرى شخصيات متنوعة.

ناصرة سعدون امرأة بغدادية الأصول ، تكتب فن الرواية ، صدر لها ستة وعشرون كتابا ما بين مؤلف ومترجم ومن بينها خمسة أعمال روائية تحدثت خلالها عن حرب العراق وبالتحديد معاناة مثيلاتها من النساء العراقيات، عدا عن اتقانها للترجمة من وغلى اللغتين الانجليزية والفرنسية.

 

دراستها

 

درستُ بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية في جامعة بغداد عام 1966 ، والتحقت بدبلوم لغة فرنسية ، وبدأت دراسات عليا ولم تكملها ووصلت لما قبل الحصول على شهادة الدكتوراة بشهرين وانقطعت عن متابعة الدراسة لظروف خاصة.

 

بداياتها

 

بدأت كتابة الرواية بعمر الأربعين وجسدت في رواياتها حرب العراق وأحداثها ومعاناة المرأة العراقية وما ألقت على كاهلها الحرب من هموم ومآس وأولها رواية "لو دامت الأفياء" عام1986 وتم نشرها ورواية "ذاكرة المدارات"، و"أحلام مهشمة" كتبتها على صورة سيناريو وتحدثت فيها عن فترة الحصار في العراق عام 1999 ، وفي عام 2003 أصدرت رواية "أحببتك طيفا" وآخرها رواية "دوامة الرحيل" ونشرت العام الماضي، كما قامت بترجمة كتب كثيرة من اللغتين الانجليزية والفرنسية...

وتضيف سعدون للأنباط: اتجهت لكتابة الرواية لمدى حبي لها وأعطيتها أولوية على كافة الفنون الأدبية ، ومنذ طفولتي أحب قراءة الرواية ولم أكتب طوال حياتي الشعر او الخاطرة.

 

عملها

 

وعن عملها تحدثت: عملت في مجال الصحاف العراقية ولم أكن متفرغة جيدا لهذه المهنة بل كتبت مقالات نشرتها في الصحف العراقية ، بينما في عام 1998 آنذاك كنت أول امرأة عراقية تتبوء منصب رئيس تحرير لصحيفة "بغداد أوبزيرفر" وكانت الصحيفة الوحيدة في العراق التي تصدر بالانجليزية، وعندما عملت برئاسة التحرير انغمرت تماما بالعمل الصحفي وتفرغت له.

وأعتبر عملي في هذا المجال تجربة غنية جدا وأفادتني كثيرا وخلالها طورت بالشراكة مع الكادر الصحفي العمل بالصحيفة رغم الحصار الذي أحاط بالعراق آنذاك "كانت حسرة علينا قنينة الحبر للطابعة" مع ذلك استطعنا اصدار الصحيفة وآخر عدد  صدر بتاريخ 9/3 وبذات يوم احتلال العراق ، وخلالها ركزتُ على تطوير الصحفيين وأذكر أنه كان لدينا في "أوبزيرفر" ثلاثة أجهزة كمبيوتر يتناوب عليها عشرون صحافيا وصحفية، اضافة لتطوير التصميم من اليدوي الى النظام الالكتروني.

وخلال عملي في هذه الصحيفة استطعت تطوير وانتاج كوادر عاملة ومؤهلة ونجحت في ذلك ،حيث ان عملي في الصحافة امتد من عام 1998 الى عام 2003 وقد استفدت من هذه التجربة نظرا لان مهنة رئيس تحرير الصحيفة تتطلب الالمام بكافة المجالات والالتفات لكل ما هو دقيق والقراءة على المستويين العربي والعالمي عدا عن قراءتي لكل حرف يكتب في الصحيفة خشية الأخطاء .

اضافة لمساعدة زملائي الصحافيين في توجيههم لاختيار الأفكار التي تصلح للكتابة، كماعملت منذ عام 1968 الى عام 1974 في وزارة التعليم العالي ومجلس البحث العلمي، ومدير دائرة اقتصادية في الاتحاد العربي للصناعات الغذائية.

 

اصدار رواياتها

 

حدثتنا : كتابة الرواية تحتاج لنقطة انطلاق فعندما يوجد لديّ شيء جاهز للكتابة أبدأ ولا يمكن أن اكتب اعتباطا وانما اكتب بنّية النشر فعندما تكون لدي فكرة مكتملة أكتبها والى ان تتكامل الفكرة لا استطيع ان اقول كتبت الا في حال الانتهاء من الكتابة أعلن عنها.

حيث ان كتاباتي الروائية توجتها بالحديث عن المرأة العراقية لأنني أعلم عن معاناتها وتفاصيل حياتها "عشت معاها وشعرت بهمومها" وبالمقابل لا استطيع ان اكتب عن النرويجية لأنني لم أتعايش معها ، علما ان روايتي "لو دامت الافياء" كتبت فيها عن بغداد التي دمرت، بينما "ذاكرة المدارات" جاءت فترة الصراعات بين الاحزاب السياسية في العراق وفترة الستينيات والسبعينيات.

ورواية "أحلام مهشمة" تحدثت عن تجارب الحب في فترة الحصار، "أحببتك طيفا" جسدت فيها الاوضاع في الصحراء العراقية ونشوء السوق السوداء، "دوامة الرحيل" تحدثت عن الاحتلال وما بعده، اي قمت عبر رواياتي بتغطية الجانبين الاجتماعي والاقتصادي في العراق من خلال وجهة نظر المواطنين وليس الحاكم.

 

طموحاتها

 

كان طموحي ان أتقن فن كتابة الرواية وأن أصل لحد نشرها وأتمكن من ترجمتها ونجحت بتحقيق طموحي ، و طمحت بان لا أقصر بتربية أبنائي وأن أوازن بين العمل والامور العائلية ، وهذه الطموحات تحققت والآن أبنائي " تزوجوا وأصبحت جدّة لخمسة أحفاد والحمد لله ما أخليت بدوري كأم أو زوجة مقابل ان نجاحي بعملي، بل نجحت في عملي وادارة عائلتي معا".

 

رأيها في الأدب على المستويين العراقي والعربي

 

الأدب العراقي عريق كونه مجتمع حضاري ودسم فكريا، ويندرج تحت مظلته الشعر الحر الذي ابتدأ مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب ومن ثم انتشر ، أما الرواية فبدأت في مصر ولبنان لكن هنالك مقامات روائية في العراق توجت بأسماء مهمة في الرواية العربية، اضافة لفن القصة والنقد .

 

تحدياتها

 

عندما كنت في سن المراهقة حدثت ثورة 1957 وابتدأ الصراع بين القوى السياسية وهذا صراع امتد لهز العوائل ، وتوالت الحروب ، وعاش العراق حرب ايران ثمان سنوات تحت قصف مستمر الا ان هذه الصعاب تغلبنا عليها كمجتمع عراقي وواصلنا العمل وفي عام 1991 حدث دمار شامل "كل بيوتنا اهتزت" عدا عن فقدان "الأهل والاقارب" وهذه جميعها تحديات فحياتنا لم تكن سهلة بتاتا.

وكنت أتمنى ان نعيش حياة كالبشر الطبيعيين ، بالنسبة لنا كعراقيين كل يوم هو تحد وصعوبة جديدة " شلون تحصل النفط والغاز وشراء المستلزمات" ، واستذكر ايام حرب 1991 أن كل شي توقف و دمر مع ذلك الا انني كنت آخذ أبنائي بالحافلة لأجعلهم يشاهدون المناطق التي قصفت ، عدا عن ارسالي للمقالات المترجمة واقطع مسافات طويلة: بالباص" واذهب الى جريدة الجمهورية او جريدة الثورة لايصال المقال الذي كتبته ليلا.

ومن ثم جاءت المأساة الكبرى احتلال العراق وحينها شعرت "ما عاد لنا مكان في بلدنا ، عشنا حياتنا بصعوبة ولم نفكر يوما بمغادرة العراق" ، ولكن بمجيء الاحتلال انقلبت الموازين واضطررنا لمغادرته لتهديدنا بالقتل والاغتيال.

 

الجهات المساندة لها

 

تساندني أسرتي وزوجي واولادي كثيرا، وأول فصل من روايتي "دوامة الرحيل" أرسلته عبر الايميل الى ابنتي وافتخرت بي كثيرا.

 

الاعلام العراقي

 

قبل الاحتلال كانت الصحف محدودة الا ان المواد الصحفية كانت في غاية الابداع وقابلة للقراءة ، ولكن في ظل الاحتلال انتشرت المئات من الصحف الا اننها ركيكة ولا نجد فيها مصداقية وأغلبها مسروق من صحف أخرى عدا عن الاخطاء الاملائية والنحوية اضافة لكتابة مواد عن الشعوذة والطائفية والنفس الانعزالي ، كما غابت الأسماء المرموقة والمشهورة من الكتاب والادباء العراقيين وغاب المعنى الحقيقي للصحافة، وترسخت صحافة احزاب طائفية وعرقية مليئة بالدعاية بعيدة عن المعاني الفكرية التي تستحق القراءة.

 

الأحزاب في العراق

 

حدثتنا سعدون : لم تسبق لي المشاركة حزبيا ، فهناك الحزب الشيوعي العراقي قديم جدا ، وعدم انتسابي للأحزاب جاء لعدم استطاعتي ان أقيد ضمن قالب معين بل اريد ان تبقى أفكاري متحررة ، بالرغم من هذا أعترف بدور الاحزاب السياسية في اي دولة لكن لا أشعر بأنها تمثلني.

فالآن في أمريكا "قلعة الديمقراطية" لديهم حزبين ديمقراطي وجمهوري ، ولا نجد أية فروقات فكرية ما بين دونالد ترامب وهيلر كلينتن فالأجندة والفكر واحد وبقناعتي ليست أحزاب سياسية وانما وجدت لصعود رجال سياسيين لسلطة الحكم وبريطانيا كذلك، لكن الأحزاب السياسية تسهم في التطوير وبالأخص لفئة الشباب في دول العالم الثالث فكريا وتعلمهم الدفاع عن فكرهم بالفكر المقابل، ولم تراودني أيضا فكرة خوض تجارب انتخابية لأنني لا أحب العمل السياسي وأعتبره صعودا على أكتاف الآخرين ، ولم أقدم على الترشح لنقابة الصحافيين او لرابطة الكتاب في العراق .

 

معاناة المرأة العراقية

 

سيدات العراق تحملن الكثير وعندما ننظر لتقارير الأمم المتحدة نجد الملايين من الآرامل والايتام "من الابوين" ،وصور المهجرين مع اطفالهم ، ويوجد مخيمات تعبث بها الريح والأمطار ولقمة الخبز "حسرة عليهم" وتضطهدهم ميليشيات الحكم الموجودة ، "طول عمرها المرأة لدينا "شايلة الهم" ففي حرب ايران كانت المرأة تقوم بكل شيء نظرا لوجود الرجال في الجبهة يقاتلون.

ادوارها عديدة فالمرأة العراقية تعمل خارج بيتها وتربي أبناءها وزوجة وعلى عاتقها عبئ كبير، حيث ان هناك تشابه كبير ما بين الاحتلال الاسرائيلي والاحتلال الحالي للعراق وهذا يجعل المعاناة مشتركة ما بين سيدات العراق وفلسطين .

الحروب على مدى التاريخ تدفع ثمنها المرأة ، عندما تعتدي دولة كبيرة على دولة صغيرة فالصغيرة تسحق والذي يسحق اولا "المرأة والاطفال" كونهم الحلقات الاضعف في المجتمع ، لا اعتبر ضرب الزوج لزوجته عنف فالشعار المرفوع حاليا العنف ضد المرأة في كل الاماكن يجب عليهم البحث بالاسباب المتمحورة بصعوبة العيش فالقضاء على الفقر والجهل والمرض يسهم بإنتاج مجتمع صالح.

 

 داعش

 

 تقول سعدون : "داعش لم تأت من فراغ ولم تبدأ في العراق كما يزعمون وانما ابتدأت مع حركة المجاهدين في افغانستان الممولة من المخابرات الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي وآنذاك كانت فترة انهيار للإتحاد بحقبة الثمانينيات ، وهذا كلام ليس مني وانما صرح به العديد ومن ضمنهم هيلري كلينتون قائلة "نحن من أنشأ القاعدة" ، لذلك القاعدة نشأت في افغانستان ولم يكن لها وجود في العراق.

ليوم احتلال العراق لم نجد أي نشوء للقاعدة ،حتى فُتحت الحدود بعد الاحتلال للجميع ودخلت التنظيمات من فيلق بدر الفارسي الى القاعدة الى الكثير من التنظيمات ، مع اختلاف التسميات ونشوء اسم داعش وتنظيمات عديدة فالغرض منها هو تدمير مجتمعاتنا ففي العراق يوجد "تنظيم ميليشيا الحق وحزب الله" جميعها تهدف لتدمير نسيج المجتمع العراقي تمهيدا لتقسيمه.

وهذا الأمر ليس جديدا حيث ان معاهدة سايكسبيكو ستنتهي في عام 2016 وسيقولون لا بد من معاهدة جديدة لتقسيم جديد للمنطقة العربية وبالتالي نرى المنظمات الارهابية هدفها خلق الفوضى الخلاقة التي اشارت اليها كوندليزا رايس وتجزئة المنطقة ، فداعش ليست غريبة عن القاعدة بل جميعها ذات الكوادرالا ان التسميات مختلفة لاختلاف الهدف الآني منها ولكن كاستراتيجية موجودة.

 

العراق بعد غياب القائد صدام حسين

 

القائد صدام حسين رجل وطني وقاد العراق بهذه المؤامرات المتعددة المراحل التي أدت بالنهاية لسقوط بغداد ، كثيرون استغربوا حول سقوط بغداد خلال سبعة عشر يوما ، حيث ان معركة بغداد الآخيرة  تعد آخر معركة ولم تكن البداية، بل البداية كانت عام 1991 وآنذاك دمرت معدات الجيش ومعامل تصنيع الأسلحة وبعد وقف اطلاق النار فرض الحصار على العراق ليمنع من اعاده جيشه ، فجيشنا العراقي منذ عام 1991 الى 2003 حُرم من فرص التدريب والذخيرة والطيران واستمرار عمليات القصف.

لم يسمح للعراق أي تطوير في الجانب العسكري وهذه حجة الاستخدام المزدوج ، عدا عن تدمير فرق التفتيش فالمعركة واحدة بمراحل متعددة ادت الى انهيار العراق ، فالمسألة ليست بوجود صدام بل هنالك مطالبات نفذت لتدمير العراق لأن العراق الدولة العربية الوحيدة التي قصفت اسرائيل.

بعد تدمير العراق ابتدأ المخطط يتسع ليشمل دول عربية أخرى ، لو لم يسقط العراق لما حصلت حروب في سوريا ولبنان ومصر ، العراق كان حاميا للبوابة الشرقية والامة العربية ، "ما نراه بالدول العربية جاء نتيجة دمار العراق" ، ولا اعلم ان كان نهاية لهذا الدمار كونني لا ارى طريقا للمستقبل فهنالك جهات عديدة تآمرت على العراق ، أثناء الحصار لم نجد أحد يقف لجانب الشعب العراقي وفي عام 1991 هنالك جيوش عربية ضربت العراق ، لم يكن صدام موجود في عام 1976الا ان العراق قام بحماية دمشق من السقوط بيد اسرائيل.

 

مشاهد التصقت بذاكرتها

 

مشهد ملجأ العامرية الذين قام بتدميره الأميركان ، في حقبة التسعينيات قصفت الطائرات ملجأ للمدنيين خلال حرب ايران تعاقد العراق على انشاء ملاجئ توزع في المناطق لاستقرار الايرانيين أثناء فترات القصف ، وهذا الملجأ يقع في العامرية ويسمح بدخوله النساء والأطفال ، وما زال عالقا بذاكرتي مشهد اخراج الاجساد التي كانت ضحية الانفجار في العامرية ولا يمكن ان انساه.