أبو راكز الفيومي حكاية عقباوية من الزمن الجميل

فارس من العقبة

شتان ما بين نساء ذاك الزمان ونساء الحاضر

  •  تحويل العقبة إلى منطقة خاصة ظلم أهل المدينة
  • بيوتنا كانت من طين وقصيب والأرضية تراب
  • الصيد كان بالديناميت و" فلوكا " اسم قارب صناعة إنجليزية
  • التكافل في شهر رمضان رزق كل عائلة بـ15 طبقا على مائدة الإفطار
  • رحلة الصيد كنا نسميها " السرحة" و الفارس والشعور والريم كانت أغلى أنواع الأسماك

 

العقبة – طلال الكباريتي

رمز من رموز مدينة ثغر الاردن الباسم، ولد في العقبة أيام الزمن الجميل، فيها بركة المال والبساطة، عشق البحرمنذ نعومة أظفاره، واتخذه  مصدر رزقه منذ ريعان شبابه، اعتمد على نفسه واتكل عليها بعد الله، بعد أن بصرت عيناه منذ طفولته، والده مبتور اليدين، بعدها قرر أن يترك مدرسته مجبرا ليعيل عائلته و يجابه الحياة ويصنع التحدي، وحقق أمله في تعليم أبنائه، الامر الذي عجز عنه ليواجه معترك الحياة منذ طفولته، في جعبته الكثير من الآمال والطموحات لابناء مدينة العقبة واهلها، جئناه ليحدثنا عن تاريخ العقبة، كيف كانت، واين اصبحت ؟..

فارسنا من العقبة هو عطاالله رمضان حسن الفيومي " ابو راكز "، وجه من جوه ثغر الاردن الباسم، واسم يشار له بالبنان، ولد عام 1944 ويعمل تاجرا ورئيسا لمجلس إدارة مؤسسة رعد للاستثمار، وعضو جمعية رجال الاعمال الاردنية، و عضو في المجلس الاستشاري لمحافظة العقبة .

كيف كانت الحياة ايام الطفولة وكيف كانت العقبة انذاك ؟

الجار ايام طفولتي ما يعادل الاخ او يزيد، وكانت مدينة العقبة زمن الخمسينيات من القرن الماضي تحتضن ما يعادل 10 -15 عائلة، الا ان الهجرة عام 1948م ، والتي تعتبر مأساة وخزيا للعرب جميعا ، احتضنت العقبة عائلات فلسطينية، وكنا ومازلنا والحمد لله بمثابة عائلة واحدة، فكبر هذا التجمع، واصبح للعقبة ميناء، ورزق الله اهل  العقبة بأن تحابوا وتآلفوا وتناسبوا فيما بينهم، فكانت البيوت في مدينة العقبة ابوابها مفتوحة فيما بينهم، غير مسقوفة، وكانت حدود المدينة بما فيها من مساكن واسواق و مركز شرطة واحد كانت متمركزة ما حول القلعة وكانت حدود المدينة من القلعة الى نادي اليخوت الملكي والتي كانت تسمى (الحامية) .

تزوجت وعمري 15 سنة وستة شهور ، كان بمثابة أمل كل أب ان يزوج ابنه حال البلوغ انذاك، وكانت لي قاعدة من قواعد النجاح ، على الرغم من حزني الشديد، فبصرت على الدنيا وأبي مقطوع اليدين، كان يعمل صياد سمك، وكان في زمنه صيادو الاسماك يستعملون المتفجرات (الديناميت)، فاستعمل المتفجرات بشكل خاطئ وثارت به المتفجرات وقطعت يديه، وعاش نحو 90 عاما . فهذا ما ساعدني على الاتكال على النفس، خاصة وان والدتي (أم عطوان ياسين)  كافحت وساعدت أبي في هذه الحياة حلوها ومرها نحو 65 عاما، تمثلت في اطعامه وسقايته وخدمته في كل ما يحتاجه، فشتان ما بين نساء ذاك الزمان ونساء الحاضر.

وبالنسبة للبيوت كانت مبنية من الحجر، ما قبل سنة 1967م، كانوا يبنون بيوتهم من الطين من اعلى السيل، ويعجنوها،  بعد وضع خشب القصيب ومن ثم يفرشونها بالطين، وأرضية البيت عبارة عن رمل، ترشه ربة البيت بالمياه يوميا، واكثر سكانها كان رزقهم من صيد البحر، حيث كانت المهنة الرئيسية انذاك، الى جانب تجارة الغنم من فلسطين .

ومنطقة حقل السعودية، لم يكن لها اي ذكر، ولم يكن فيها اي مبنى، كانت عبارة عن بادية يعيش  فيها مجموعة من البدو، والهجانة والماشية والجمال فلم يكن في  ذاك الزمن تصريح او اي حدود، والذي يملك هوية شخصية يعتبر نفسه من اصحاب المقامات الرفيعة .

-       كيف كانت طقوسكم في شهر رمضان في العقبة ذلك الوقت؟

 كانت ابرز الطقوس في شهر رمضان ان توزع العائلة الواحدة طبختها على جميع بيوت المدينة، (15 عائلة) وفي نفس الوقت، تقوم ربة البيت بعد استلامها للطبخة آنذاك بتوزيع ما تيسر لها على هذه البيوت وهكذا، وحين يحضر موعد الافطار، نجد نحو 15 طبقا على مائدة واحدة في كل بيت، وهذا ما افتقدناه الآن للأسف الشديد .

ولم يكن يمر شخص من شوارع العقبة ، الا ونعرف من هو ونعرف ابويه ، واذا رأينا غريبا يمشي باتجاه الحي، جميع الشباب تقف، وتسأله من يريد، لم يكن بدافع الفضول بقدر دافع المساعدة وارشاده الى الوجهة التي يريد،

-       حدثنا ماذا كان عملك منذ بداية شبابك ؟

منذ بداية مرحلة شبابي اول مهنة عملتها هي صيد السمك، وكنت اذهب في رحلة مع صيادي السمك عبر قارب كانت تسمى انذاك (فلوكة) فكان محركها صناعة انجليزية تعمل على بستونين اثنين، فكنا نأخذ التصريح من الجهة الامنية للسماح لنا بالدخول والصيد في المناطق الاقليمية، خارج الحدود البحرية لمنطقة العقبة، وكانت تسمى رحلة صيد السمك  (السرحة) فكنا نغيب عن اهلنا ما يقارب 10-15 يوما ونحن في البحربرفقة 3 الى 4 أشخاص، فناخذ من شركة الاسماك (شركة وديع أسعد) الثلج، ذاهبين متوكلين على الله، نحتمي به، داعين برزق وفير، فنرزق  بسمك ما يقارب وزنه الطن، فكانت الاوزان انذاك رطلا ونصف رطل، ووقية ونصف وقية، ولم تكن الاوزان بالكيلو، فنحضر السمك ونبيعه لشركة الاسماك، فكان اغلى سمك كنا نبيعه والذي يعتبر من الدرجة الاولى ما يسمى الفارس والشعور والريم، وبعد انتهاء رحلة الصيد كنا نبيع الاسماك التي اصطدناها لشركة الاسماك، ونوزع المال بالتساوي بيننا (الاربعة صيادين)، فتكون حصة الواحد 15 دينارا، وهو ما يعادل 1500دينار في يومنا هذا، ونرجع لبيوتنا لدفع ما علينا من مستحقات، ونستريح لمدة اربعة ايام، ومن ثم نبدأ برحلة صيد جديدة .

هل العادات والتقاليد ظلت كما كانت في خمسينيات القرن الماضي؟

 كان عدد سكان المدينة في الستينيات لا يتجاوز ستة الاف شخص، فكانوا اخوانا متحابين متماسكين، واذا توفي احدهم، كانت العائلات ضمن عاداتها ان تجعل طقوس عزائها لمدة اربعين يوما، فلا يقام فرح، وتحمل الجنازة على الاكتاف يومها، كانت صفات سكانها الصدق والامانة والحب والمودة بين عائلاتها، ولم اجدها في يومنا هذا، وبرأيي الشخصي لهذا السبب انتزعت البركة من الارض .

اما عن العادات التي يمكن ان نقول انها شبه اندثرت، هي حب التزاور بين العائلات والجيران، لقرب البيوت وحصر المدينة في مكان واحد، كذلك في الاعياد، نتزاور، والذي يحتفل بفرحه، تجد جميع الناس، تجامله، على قدر استطاعتها، فمنهم من يأتي ليذبح له، فكانت لديهم مخافة الله والمودة سائدة، ففي وقت فرح احدهم، كانت الناس اغلبها ان لم يكن جميعها تجدها حاضرة في المكان، او الذي يريد ان يزيد غرفة في بيته، يجد اناسا حوله، ليساعدوه في البناء، بما نسميه (الفزعة) .

-       وماذا عن فترة الستينيات الى السبعينيات، ماذا تغير خلال الفترة؟

ابرز ما شهدته تلك الفترة هي نكسة العرب 1967م،  ازداد عدد سكان الاردن بشكل عام تلك الفترة، نتيجة الهجرة، وما شهدته في العقبة، هو تغير نمط البناء فاصبح البناء من الاسمنت والبلاط، ومتوسط الدخل ازداد وتحسن وضعها ، وقامت الحكومة يومها بهدم المناطق السكنية القريبة من البحر، على الشاطئ، وأصبح هناك توسع أفقي في المباني، فأصبح هناك ما يسمى الوحدات الشرقية والغربية، وسوق الخضار الجديد ، بنته لجنة تنظيم بلدية العقبة، واصبحت سلطة اقليم العقبة، ومن ثم سميت سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الآن، فكانت القلعة والمسجد العقباوي تحتضن جميع المساكن هناك .

 

-       وما الذي تغير في فترة الثمانينيات وما بعدها ؟

في فترة الثمانينيات عملت مع الشريف جميل بن ناصر، عام 1982م، عينت يومها المدير العام لشركة توكيل تجارية، كانت تملك 375 مركبة لنقل الحبوب الغذائية من العقبة الى العراق، واستمررنا حتى الحرب العراقية الايرانية ، ومن ثم عملت في تجارة خاصة، في بيع وشراء الأراضي والعقارات .

 

- ماذا عن فترة اعلان العقبة كسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ؟

برأيي الشخصي اعلان العقبة كلسطة منطقة خاصة، تعتبر حسرة لأبناء واهالي منطقة العقبة، فقد واجه أبناء العقبة كثيرا من الظلم، وحتى لا يتم تسجيلها علي كنقطة، نحن جميعا أبناء الوطن ونعيش كأسرة واحدة في دولتنا الحبيبة، لكن يوجد اولويات، فمثلا في نظام الجيش، صاحب الاقدمية له الاولوية في الانتفاع بكثير من الامور، هذا ما عاناه اهالي العقبة، بأراضيهم أولا وتم حرمانهم في كثير من الوظائف، بحجة ان ابناء العقبة غير متعلمين للأسف الشديد، يوجد كثير من ابناء العقبة مهندسون واطباء، يحملون الشهادات العليا، فلم يتم تحقيق رؤية جلالة الملك عبد الله الثاني، الا فيما يتعلق بالاستثمار وليست بالشكل الكامل، ايضا تعويضات السلطة  للاراضي تعتبر مجحفة لأبناء العقبة، فمتر الارض الذي يساوي الالفي دينار لم يستفد منه ابن العقبة، فسلطة العقبة منذ اعلانها وحتى الان تركز على نظام الجباية، اكثر من اعطاء ابنائها حقوقهم المشروعة، فالذي اتى من الخارج اعطي له حقوق اكثر من ابن العقبة .

من برأيك افضل رئيس سلطة اقتصادية خاصة منذ اعلانها وحتى اليوم ؟

لكل مجتهد نصيب، جميعهم اهل خبرة، كل يأتي منهم لمرحلة معينة، والكمال لله وحده، ولكن استلام اي منهم منصبه يصطدمون بحقوق واهالي منطقة العقبة، من الوظيفة الى الارض .

- ماذا عن اليخت الذي انشأته على مدخل مدينة العقبة ؟

لم اجد اي شيء اقدمه، الا ان اضع رمزا لابناء العقبة عامة وزوارها، وهدية باسمهم، وهي كرمز للمدينة، اهديته لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، اعتدت عليه مؤخرا أياد غاشمة واحرقته، واعدته والحمد لله الى وضعه بشكل جيد.