الإخوان المسلمون .. خلاف .. صراع .. تيه .. استدراك .. انهيار

يستطيع الذين يريدون المكابرة من الإخوان المسلمين أو من يؤيدهم ويتعاطف معهم أن يقولوا: إن ما يجري في الصف الإخواني ما هو إلا حركة متساقطين على طريق الدعوة!! وأن الدعوة تنفي خبثها كما تنفي النار كير الحديد!

هذا القول قيل عن أفراد استغنى تنظيم الإخوان عن خدماتهم بكبر منقطع النظير واستهتار بتاريخهم وأدائهم وفاعليتهم واحترام المجتمع لهم!! لكن أن يقال هذا في حق مجموعات كبيرة تقودها رموز معروفة فهذا ما لا يمكن قبوله . فهذه رموز ذات أهمية اعترف بها التنظيم الإخواني يوم نصبها في صدارة المسؤولية ، فهل تحول هؤلاء بين عشية وضحاها إلى مجموعات خائنة لدينها ومبادئها ؟ هل يمكن أن يقدم التفسير الساذج للناس ليسلموا به دون تمحيص ولا تدبر ؟! 

الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن كانت في أصل نشأتها تحمل لواء الدعوة والإصلاح بالحسنى والتي هي أحسن في مصالحة تامة مع النظام في الأردن، ولهذا استمرت واستُثْمرت لمواجهة الأحزاب السياسية التي كانت مرتبطة بموسكو وبغداد ودمشق والقاهرة وطرابلس، وهذا شيء طبيعي من النظام الذي يريد رافعة شعبية تسند موقفه المناهض للموالين للعواصم المذكورة، كما هو شيء طبيعي أن يجلس الإخوان في حضن النظام الدافئ بيعداً عن نيران وسجون الناصرية والبعثية ودكتاتوريتها تجاه الإسلاميين حيث وصلت الأمور إلى أن مجرد الانتماء للإخوان يعني الحكم بالإعدام! 
لكن التنظيم الإخواني تغير خطابه ، حيث تسلل له جزء من الخطابات الثورية نتيجة الاحتكاك بالحركات اليسارية ومحاولة المزايدة عليهم وعلى التحريريين الذين يؤمنون بالانقلابات!! وكذلك المزايدة على أفراد دخلوا البرلمان وعاشوا نرجسية عالية بخطاب مزايد! 

ومع مجيء ما سمي بالربيع العربي طاش الإخوان على شبر ماء ظناً منهم أن الفرصة قد أتت حيث رأوا إسلاميي تركيا والمغرب قد صاروا سلطة على أرض الواقع مما فتح شهيتهم ولم يتحلوا بالحكمة فهرولوا نحو السلطة في مصر مما دفع القيادة المتنفذة في إخوان الأردن ـ التي لم تُعرف بالوعي السياسي ـ إلى الظن بأن الهلال الإخواني قد بدأ بالظهور من تركيا إلى سوريا (التي سيسقط نظامها (!) بين عشية وضحاها) إلى غزة فالقاهرة وليبيا وتونس وصولاً الى الرباط!! مع أن حزب أردوغان ليس من الإخوان! وكذا الأمر في حزب عبدالإله بنكيران. وهذا أمر يجب الانتباه له حيث نجحت الحركات الموضعية داخل أوطانها بينما فشل الإخوان لأنهم تنظيم دولي ، فالقوى الدولية تخشى من تهديد مصالحها في العالم وبخاصة المنطقة العربية وهذا يقودنا للإشارة إلى أن الإخوان غير واقعيين في ممارسة السياسة حيث يجهلون لعبة الأمم رغم حديثهم عنها فموازين القوى لا بد من حسابها وتوظيفها والاستفادة منها وهو ما رأيناه في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث استفاد المسلمون من النجاشي النصراني حاكم الحبشة فتمت حمايتهم من بطش قريش ، والسيرة تتحدث عن بحثه عليه السلام عن حلفاء من كافة القبائل العربية واستمرت فكرة التحالف حتى بعد قيام الدولة في المدينة.

وإن مما يذكر في هذا المجال أن الثقافة السياسية للإخوان ضعيفة ومحصورة في مجموعة مبادىء وتصورات أشبه بالخيال (كتصور الخلافة التي تحكم كل بلاد المسلمين بل تسعى للسيطرة والحديث عن أستاذية العالم) ما جعلهم بعيدين عن السلطة التنفيذية! وحينما اقتربوا منها لم يكن لديهم برنامج واضح وهو ما رأيناه في تولي الرئيس محمد مرسي رئاسة مصر!! وفي اشتراك الإخوان في الأردن في حكومة مضر بدران.

إن تجاهل ما هو موجود في العالم لا يعتبر من الفهم السياسي في شيء، فهناك دول كبرى لديها من الأسلحة الخطيرة ما تمسح بها وجود دول وشعوب، وهناك فُرْقة بين الشعوب العربية فضلاً عن الدول العربية حيث تكرست حالة التجزئة ، وليس من السهل تجاوز كل ذلك بتصورات ورقية ذهنية. 

إن واقع الأمة العربية والإسلامية واقع مرير ولا تحل مشاكله بالشعارات الرنانة ولا الخطب العاطفية بل بفكر نير واقعي يشخص الداء ومن ثم الدواء . لقد رفع الإخوان شعار (الإسلام هو الحل ) وهو صحيح من جهة الاعتقاد ، لكنه يحتاج إلى ترجمة بحلول قابلة للتطبيق ، فالربا حرام ، لكن كيف نتعامل مع مديونية الدولة الداخلية والخارجية وما هي خطتنا في ذلك ؟ هل يملك الإخوان تصوراً لسياسة اقتصادية شاملة ؟ وماذا عن التسليح والجيوش والصناعة والتجارة الدولية ؟ ماذا عن البطالة والفقر ؟ هل يكفي أن نقول إن الزكاة كانت تطوف أيام عمر بن عبدالعزيز لا تجد من يأخذها إن صحت تلك الرواية ؟ كيف يرى الإخوان التعددية داخل الدولة وهل يقبلون بالمعارضة وهم في السلطة ؟ أم يقبلونها يوم يكونون خارجها فقط ؟! .
لقد قامت الجماعة للإصلاح وحصل بين أعضائها خلافات وهذا شيء طبيعي ، لكن الجماعة لم تقنن لحالات الخلاف فتطور الأمر الى صراع تحت مصطلحين هما الحمائم والصقور! ووصلت الأمور الى التخوين والاتهام وقد سمعت كما سمع كثيرون من الإخوان من قسم أحد قادتهم أن فلاناً (أحد رموز الحمائم) هو مخابرات أمريكية!! فما الذي بقي بعد هذا القول من اسم (الإخوان) ؟؟!! 

لقد كان مقتضى الصراع الدخول في حوار داخلي وتم ذلك دون جدوى منذ عام 1997م وازداد الحوار في فترة الربيع العربي ، لكن كل تلك الحوارات لم تصل الى نتيجة!! مما يعني التوجه الى الانقسام ، وكان الإرث الروحي والتاريخي هو المانع من الانقسام المبكر ، لكن الأمر ازداد سوءاً حيث وصل الإخوان الى التيه والتشظي ولم يعد الانقسام كما هو مفترض عقلياً الى قسمين بل راح باتجاهات مختلفة فحتى الذين تتقارب أفكارهم مثل ( عبدالمجيد وسالم ورحيل وعبدالحميد وعبداللطيف وحمزة مع حفظ الألقاب ) لم يتجهوا الى جسم جديد موحد!! وصارت الأسماء الجديدة كثيرة مع أننا كنا نسمع عن ضرورة المحافظة على اسم الإخوان ، وقد لاحظنا أن اسم الإخوان قد غاب بسبب اعتبار الدولة أن الجماعة غير مرخصة وصار الصراع على الاسم واضحاً!! .

ان التيه قد حل على أرض الواقع وأن الجماعة لا طريق أمامها حسب رأيي إلا باتخاذ الخطوات التالية :
1/ إعلان الجماعة عن حل نفسها رسمياً حيث لم يعد هذا الاسم ' الإخوان ' مجدياً ، وهو في أدبيات الإخوان ليس مقدساً كما قال البنا المؤسس ( دعونا من هذه الشكليات ) وكما قال راشد الغنوشي مستدلاً بقوله تعالى ( إنْ هي إلا أسماء ) . 
2/ حل كل الأحزاب التي أسستها القيادات المنشقة من قبل مَنْ أسسها .
3/ تأسيس حزب جديد يقوم على أسس واقعية وقانونية وفكرية وسياسية ووطنية بعيداً عن الموروثات التاريخية التي لم تعد صالحة للاستخدام السياسي والواقعي ن وبهذا تجدد الجماعة نفسها إذ لا بد من الاعتراف بأن الزمن قد طوى حضارات ودول وأحزاب والجماعة ليست باستثناء من ذلك فما كان مناسباً عام 1928 م لا يمكن أن يسير عام 2016م بحال من الأحوال . ولن يغير الأمر دخول البرلمان والتحالف مع ذوات محترمة كانت يوماً من الأيام في نظر الجماعة تستحق البتر .
إن ما أطرحه ليس انتقاصاً ولا إنكاراً لجهود إيجابية مضت ولكنها النصيحة المؤلمة الهادفة للاستمرار في المستقبل بعيداً عن السَرَحان في التاريخ والمكابرة بالواقع.