ثورة المجر في ذكراها الستين

عد وفاة جوزيف ستالين في 1953، انفجرت انتفاضة عمالية في ألمانيا الشرقية («الديمقراطية» حسب التسمية الشيوعية) تعرضت للسحق الحديدي الذي أحبط المراهنين على وفاة الستالينية، لا وفاة ستالين فحسب. وكان ما ضاعف انزعاج الشيوعيّين وتوتّرهم أنّ من قام بتلك الانتفاضة هم العمّال الذين زعموا تمثيلهم والحكم باسم مصالحهم. لكنْ بعد ثلاث سنوات على انتفاضة ألمانيا، وعلى أثر المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي الذي انتقد الستالينية على لسان القائد الجديد نيكيتا خروتشوف، انتفضت المجر انتفاضة كبرى هي التي يُحتفل، في هذه الأيام، بذكراها الستينية. وكما حصل في ألمانيا من قبل، كان السحق والقمع نصيب الثورة المجرية، بينما أُعدم القائد الشيوعي الإصلاحي إيمري ناجي ليغدو واحداً من شهداء الحرية ومن شهداء الأمة المجرية في آن معاً.
لماذا العودة إلى هذه المناسبة في ذكراها الستينية؟
لقد دلت التجربة الألمانية أولاً، ثم التجربة المجرية خصوصاً، على أن نهاية الستالينية لم تكن نهاية شاملة أو مطلقة. فالاسترخاء النسبي الذي شهدته السنوات الخروتشوفية القليلة، لا سيما ما بعد المؤتمر العشرين، لم يَطُلْ جميع أوجه الحياة في الاتحاد السوفييتي وبلدان المعسكر الشرقي، خصوصاً منها الاستمرار في إخضاع مواقع النفوذ في أوروبا الوسطى والشرقية، فضلاً عن البنية الحزبية والأمنية للنظام السوفييتي والأنظمة التابعة له. لا بل ومع حلول ليونيد بريجنيف، في أواسط الستينيات، محل نيكيتا خروتشوف في الأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي، عاد التشدد الستاليني على أكثر من صعيد، وهو ما ظهر بوضوح شديد في 1968 حين قُمعت، أيضاً وأيضاً، انتفاضة تشيكوسلوفاكيا التي قادها يومذاك القيادي الشيوعي الإصلاحي هو الآخر ألكسندر دوبتشيك. وجدير بالذكر أنّ جيوش بلدان حلف وارسو كلّها شاركت في غزو تشيكوسلوفاكيا عامذاك.
وكما كانت آثار نزع الستالينية ضيقة ومحدودة وقابلة للتراجع عنها، تأكد أن التعويل على قائد شيوعي إصلاحي وذي وجه إنساني، حسب تعبير دوبتشيك الشهير، هو أمر أقرب إلى الوهم. هكذا انتهت بمأساوية، وبدم وضحايا، تجربتا إيمري الهنغاري ودوبتشيك السلوفاكي.
بيد أن الدلالة الأخرى البعيدة الأثر التي اكتسبتها تجربة الثورة المجرية وعملية سحقها تتعلق بالانكشاف الذي شرع يطال صورة الاتحاد السوفييتي وكتلته. فعلى الضد مما كان يبشر به مثقفون أوروبيون غربيون، شيوعيون أو منحازون بصورة أو أخرى لليسار الشيوعي، من أن موسكو تباشر التجربة التي تفتح للحرية والانعتاق الإنساني أوسع أبوابهما، تبين أن الأنظمة التي تقوم في بلدان الكتلة الشرقية أقرب إلى أن تكون عبوديات حديثة تحتقر الإنسان ولا تعترف له بأي كرامة فعلية. أما رهان البعض على سيادة وطنية لدول أوروبا الشرقية والوسطى، في ظل الهيمنة السوفييتية عليها، أكان رمز الهيمنة ستالين أو خروتشوف أو بريجنيف، فلا يعدو كونه واحداً آخر من تلك الأوهام التي صنعها خليط من الأيديولوجيا والدعاية.
والحال أن سحق الثورة الهنغارية، ثم سحق الثورة التشيكوسلوفاكية بعد ذاك بـ12 عاماً، يُعدّان محطتين مبكرتين في الموت البطيء للاتحاد السوفييتي وكتلته. فقد أظهرت التجربتان تخشّب تلك الأنظمة وعجزها عن تلبية أي مطلب إصلاحي مهما كان متواضعاً، خصوصاً إذا ما هددت تلبية هذا المطلب النفوذ الاستراتيجي والجيوبوليتيكي لموسكو. ولئن أُجّل سقوط «المعسكر الاشتراكي» إلى نهاية الثمانينيات، حين أصدر ميخائيل غورباتشوف أول إعلانات الوفاة لذاك الجسم المترهل الذي كان يتداعى في الداخل، كما على رقعة تمتد من بولندا إلى أفغانستان، فإن الدور الذي لعبه المجريون في تلك الملحمة، مثلهم مثل الألمان والتشيكوسلوفاكيين والبولنديين، يبقى دوراً راسخاً لا يُنسى.
* نقلا عن 'الاتحاد'.