«التجربة الدانمركية» و«جريمة طبربور»

درجة البشاعة التي مورست في جريمة « طبربور» تكاد لا تصدق ومن الصعب وصفها... إنها جريمة الجرائم أو أم الجرائم على الإطلاق !!

هزت تلك الجريمة الأردن بل انتقل وقع بشاعتها للخارج لتتحول على مدى الأيام القليلة الماضية قضية للنقاش ، إعلاميا ومجتمعيا وتحديدا عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتي تشكل عينة واقعية لمجتمعنا وللمجتمعات العربية ، وكان النقاش عبر الإعلام وعبر تلك الوسائل قد تمحور حول سؤالين الأول: لماذا ارتٌكبت الجريمة بتلك البشاعة ؟ والثاني: من المسؤول ؟

السؤال الأول مهم غير أن جوابه معروف ومحدد وهو أن الجريمة هي الجريمة منذ الأزل ترُتكب بدوافع وغرائز حيوانية وتحديدا منذ الجريمة الأولى أي جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل من اجل امرأة.

أما السؤال الثاني من هو المسؤول وهذا السؤال هو الأكثر أهمية وخطورة وتحديدا في مجتمع صغير ومحافظ وبسيط كمجتمعنا.

هل المجرم هو المسؤول فقط ؟ أم أن المنظومة الاجتماعية والثقافية والأخلاقية المهيمنة هي العاجزة عن كبح جماح مثل هذه الحالات ؟

وهل الدولة ومؤسساتها الاجتماعية والأمنية والتعليمية تملك رؤيا وبرامج لمحاصرة هذه الظواهر الإجرامية من قتل وفساد وتعاط للمخدرات وسرقة وغيرها من الجرائم ؟

وهل هذه جريمة فردية عابرة وشاذة يُصعب تكرارها ؟ أم هي جريمة قابلة للتكرار تعكس فشلا مجتمعيا على المستوي الأخلاقي والسلوكي ، وفشلا على المستوى الرسمي في مطاردة تجار المخدرات وصانعي « الجوكر المدمر « الذي بات يباع مثل « العلكة « على أرصفة بعض الشوارع على حد وصف احد المواطنين على « الفيس بوك «.

أهم ما في السيرة الذاتية لهذا المجرم انه دخل السجن وخرج منه ، ومن الواضح انه لم يجر تأهيله قبل أن تسوء حالته وتتحول إلى حالة مرضية مرعبة كالتي شاهدناها ؟

فلماذا جرى ذلك ؟

وما هي ظروف حبسه او توقيفه وما هي طريقة التعامل التي تم بها « تأهيل « هذا « المجرم « ، وما هي الظروف والمبررات التي جعلت الجهة المعنية بحبسه تقرر الإفراج عنه ؟

اطرح هذه الأسئلة من وحي حالتين متناقضتين ، الأولى هي حالتنا التي تحتاج فيها مراكز الإصلاح والتأهيل إلى « برنامج خلاق وعصري « من اجل اعادة تاهيل الخارجين عن القانون.

والثانية هي تجربة الدانمارك في « التاهيل والاصلاح « التى ابهرت العالم ، لقد نجحت الدانمارك وعلى مدى عدة سنوات متتالية في أن تكون البلد الأول على مستوى العالم في السعادة والأمان وفي منع الجريمة ، وكانت الأولى عالميا في تاهيل المجرمين وتحويلهم الى مواطنين صالحين ومنتجين من خلال برنامج علمي ومدروس بدقة يعمل على تغيير منظومة المجرم الاخلاقية بالاضافة للرعاية النفسية و الثقافية وتعزيز شعوره بانسانيته وتوفير كل سبل الراحة بل والحرية للسجين في إطار غرفة تكاد تكون جزءا من جناح فندقي راق.

التجربة الدانماركية دخلها مجرمون عتاة من العرب المتجنسين ، وخرجوا من السجون أناسا آخرين لا علاقة لهم بماضيهم.

اقدر كما الجميع جهود الامن العام في هذا الاطار وأتفهم تماما الامكانيات المادية المحدودة التى قد تكون عائقا امام بناء منظومة سجون على هذا المستوى ، هذا صحيح ولكن في المقابل من الممكن البدء بالاصلاح من نقطة تنظيمية وإجرائية غير مكلفة الا وهي البدء بمشروع عزل المجرمين العتاة والقتلة وتجار المخدرات واللصوص عن بقية النزلاء وبخاصة عن الموقفين على ذمم قضايا اخرى غير جرمية او جنائية ، كما بات من الضروري اخضاع الحالات الجرمية الخطيرة للدراسة العلمية من قبل أخصائيين نفسيين واجتماعيين واطباء اعصاب لكي يستفاد منها علميا من اجل وضع الحلول الوقائية لمواجهة تكرار المزيد منها.

معاقبة مجرم « طبربور « ليس في حبسه او اعدامه او ايذائه جسديا ونفسيا بل في منع تكرار مثل هذه الجريمة البشعة وهذا هو التحدي لنا جميعا.


الراي