نحن والخليج العربي

-تحتاج الذهنية العربية عموما والاردنية على وجه الخصوص الى اعادة مراجعة تعريف العلاقة مع دول الخليج العربي عبر بوابة التقييم المصلحي وليس عبر ذاكرة التاريخ من مرحلة ما قبل النفط وبداياتها، حيث كان المجتمع الخليجي يحبو ويستعين بالاشقاء العرب في مجالات التعليم والصحة والتجارة والعمالة المهنية المحترفة، فقد بنت دول الخليج قدراتها الذاتية وتطورت اجيالها عبر السنوات الطويلة وراكمت من خبرات الاشقاء العرب والخبراء الاجانب ايضا ونجحت في العقدين الاخيرين من تحقيق منجزات على الارض خارج اطار منظومة النفط ونجحت دولتا الامارات وقطر في بناء منظومة اقتصادية خارج اطار النفط وكذلك حققت السعودية والكويت مسافة طويلة تجاريا وصناعيا مع بقاء النفط ثابتا رئيسا في الاقتصاد . 
البقاء في دائرة الماضي وبناء المواقف على اساس الوعي بأثر رجعي من دول الخليج او على نمط علاقات السَلفات واستذكار الماضي ليس منتجا ولا قابلا لتأسيس علاقة ناضجة قائمة على اساس تبادل المصالح والمنافع، فالجيل الجديد من ابناء الخليج العربي اكثر  تفاعلا مع الاقليم من جيل الاباء، وكل مراقب يدرك حجم المسافة المقطوعة في السياسة الخليجية من حيث تبدل قواعد الاشتباك مع المحيط العربي والاقليمي، فقد اقفل الجيل الخليجي الجديد صفحة 
الكُمون على الذات ودرء المفاسد وتقديم الدعم من اجل الحفاظ على الذات او حماية الحدود كما يتشدق بعض الماضويين وهم يقرأون السياسة الخليجية ومنافع المحيط على الخليج وكأن العاملين في الخليج كانوا متطوعين ولم يقبضوا ثمن عملهم وجهدهم . 
ما يجري في دهاليز السياسة الخليجية ومطابخها منذ أمد، نقلها من خانة الدول المتلقية الى خانة الدول اللاعبة وبعضها لاعب رئيس في مجريات السياسة الاقليمية، والتعامل معها بمنط الداعم او الممول تعامل يكشف عوارا في العقل والرؤيا، ولعل احداث اليمن الاخيرة والاشتباك الخليجي مع تلك الاحداث يعكس صورة عن نمط التفكير الجديد الذي يقود القرار في تلك الدول وقبلها تفاعل الخليج ودوله مع الملف السوري بصرف النظر عن موقفنا من ذلك الاشتباك او من التفاعل، لكنه يعكس تغيرا هائلا في تعاطي دول الخليج مع السياسة الخارجية وارتداد تلك السياسة على امنها الداخلي او على طموحاتها الاقليمية وطموحات الجيل الجديد من الساسة، فهم يملكون المال والعقل فلماذا يبقون في دائرة الظل او السند . 
ما جرى وما قرأناه من ردود افعال على خطبة الجمعة التي قدمها الدكتور احمد هليل كشف العوار في الذهن الجمعي حيال فهم الجديد الخليجي، والذي قفز عن حقيقة ان الدكتور احمد هليل احد اقرب الناس الى السياسة الخليجية ومن اكثر الاردنيين معرفة بتلك السياسة ورجالاتها، وهو يعلم حجم التطور العسكري والتسليحي الذي وصلت اليه دول الخليج والبقاء في دائرة الماضي وخطابه التقليدي لا يقدم شيئا للحالة الاردنية الصعبة التي تحتاج الى علاقات طبيعية مع دول الخليج بحكم وجود مئات الالاف من العاملين هناك، وبحكم الدعم المباشر التي تقدمه دول الخليج للاردن على قاعدتي الدور الاردني الحيوي للاقليم العربي وعلى قاعدة العلاقات الأخوية والمصلحية ايضا، فزمن دعم دول المواجهة انتهى الى غير رجعة، فلم تعد هناك مواجهة مع الكيان الصهيوني بعد معاهدات السلام . 
لا نستطيع الاستغناء عن دول الخليج ولا هم بقادرين على الاستغناء عنّا، وبالتالي يجب تصويب مسار العلاقة معهم على قاعدتي الأخوة والمنفعة وليس على قاعدة التنابز، وكذلك يجب العمل على تنويع سلة العلاقات الخارجية الاقليمية لخدمة المصلحة الوطنية الاردنية كما قال الملك في لقائه الاخير مع مجموعة سياسية اردنية، حتى نحافظ على اقتصادنا ودورنا .