مشكلة الثقافة

يبدو أن هناك جزءاً كبيراً ومهماً من مشاكلنا يتعلق بالثقافة، حيث إن الثقافة بمعناها الجوهري تتمثل بمنظومة القيم التي تنظم سلوك المجتمع البشري، وتؤثر في طريقة تعامله مع مقتضيات الحياة ومواجهة عوائقها وتطوراتها الواقعية، وتتجلى في طريقة التعامل اليومي بين الأفراد بشكل فردي أو جماعي.
كل المجتمعات البشرية تواجه مشاكل في حياتها الطبيعية، ولكن الفرق يتضح بين مجتمع وآخر في كيفية التعامل مع المشكلة وفي امتلاك مهارات الحل التي تتمايز في توفير الوقت والجهد، وتقليل حجم الخسارة، من خلال التشخيص الصحيح وسلامة الرؤية وشمولها، والقدرة على الموازنة، والمثابرة في المتابعة والتقويم وامتلاك القدرة على تراكم الخبرة، والاستفادة من تجارب الآخرين، فيظهر دور الثقافة على سبيل المثال عندما تتفاقم الأزمة الاقتصادية، فتصبح ثقافة الاستهلاك البشعة من أكثر المشاكل تعقيداً التي تقف عائقاً أمام الحل، حيث أن الأجيال الجديدة التي تربت على هذا النمط الاستهلاكي في بلادنا العربية تجد صعوبة بالغة في التعامل مع التغيرات العميقة التي تصيب اقتصادنا القومي في الجوهر ومنظومته الأساسية.
في مواجهة الأزمة الاقتصادية يكون عبء المواجهة على جميع أفراد المجتمع ومكوناته في جميع مستوياته وشرائحه وطبقاته، مما يجعلنا مضطرين لبناء ثقافة مختلفة تجعل المجتمع مقبلاً على الانتاج، وأن يشعر بالفخر والاعتزاز بانتاجه، وقدرته على إعالة نفسه بنفسه، وأن يكون هناك شعور بالمرارة لدى الفرد والمجموعة عندما يكونون عبئاً على المجتمعات الأخرى، وأن يتملكهم الشعور بالمتعة وهم يرون أنفسهم يسيرون في طريق التحرر والانعتاق من قيود الاعتمادية على الشعوب الأخرى.
النمط الثقافي الآخر الذي يحتاج إلى معالجة في مجتمعنا يتجلى في ابتعاد الجيل عن الانخراط في العمل، أو أن ينتابه شعور بالحياء والخجل من الانخراط في المهن والحرف، فعندما تذهب إلى محطة الوقود أو إلى السوبر ماركت، أو محطات غسيل السيارات فلا تجد إلّا عمالة وافدة، وهذا ينطبق على أعمال الزراعة والصناعة وأعمال البناء، فلا تكاد تجد عاملاً أردنياً، مما يؤشر بوضوح على نمط ثقافي مرضي منتشر ومتأصل في مجتمعنا بكل تأكيد، لم يكن في الزمن الغابر بكل تأكيد، فما زلت أذكر جيداً أننا عندما كنا طلاباً في المدارس والجامعات كنا نعمل في الحقل وفي أعمال الزراعة والحصاد والنقل وأعمال البناء، ولم يكن أحدنا يشتغل بالحرج من العمل في مزرعته أو مزارع الآخرين بالأجرة، بينما الآن لا تكاد تجد حرفياً أردنياً في أعمال البلاط أو القصارة أو الدهان إلّا ما ندر، مما يجعلنا نؤكد أننا بحاجة إلى بناء ثقافة عمل مختلفة.
نمط ثقافي آخر يتمثل (بالتفاخر)، بحيث كل واحد يريد أن يظهر بمظهر غير حقيقي من خلال مظاهر مختلفة وعديدة تتمثل بالسيارة ونوعها، أو بالملابس، أو من خلال نوع البناء وشكله، ويصبح ذلك ضرباً من التنافس بين العائلات على مستوى قريب أو بعيد، وهذا يشكل تهديداً كبيراً لمصدر دخل العائلة والأفراد، ويجعلهم جميعاً تحت ضغط الانفاق المضاعف الذي يفوق طاقتهم ووسعهم، مما يجعلنا نذهب إلى القول أن مشكلة الثقافة لدينا تمثل جزءاً مهماً من الأزمة العامة لدينا، والحل ينبغي أن يكون قائماً على هذا التشخيص بدرجة ما.