الملف الغائب

من السهل جدا، ادانة الشخص الذي يقدِم على الانتحار؛ لأن الفعل في جذره مدان اجتماعيا ودينيا، مثلما الادانة ذاتها تتكررعندما يقدِم شخص على حرق نفسه، أو حرق مركبته، كما شهدنا، قبل يومين، حين حرق أحدهم حافلة عامة، تعبيرا عن الاحتجاج على مخالفة سير.

ارتفاع نسبة هذه الحوادث، امر خطير جدا، والاكتفاء بالكلام عن شخص يحمل اسبقيات، وانه من الطبيعي ان يتورط بهكذا حوادث، او ان شخصا، يتعاطى المخدرات فيحرق نفسه، وغير ذلك من ملاذات لتفسير هذه الظواهر، يعد مهربا، من الاعتراف بحقيقة المشكلة، خصوصا، ان كل هذه الظواهر مستجدة، ولم نكن نسمع عنها، سابقا، لا بهذا الشكل، ولا بهذا العدد، ولا بهذه الكيفية.

اولا، لا احد مع كسر القانون، ومخالفته، مثلما نحن نقف امام المحرمات الدينية باحترام بالغ، ونقر بها، ولا نعطي احدا العذر في افعاله.

لكننا من ناحية عامة، نحذر بشدة، من تفشي هذه الظواهر، فهي تعبير عن الاحباط واليأس والغضب، كتداعيات مباشرة للفقر، وهذا الفقر الذي يتعمق في حياتنا سيجلب لنا مشاكل اضافية، وليس ادل على ذلك من ارتفاع نسب الجرائم، وارتفاع حالات الانتحار، او التعبير بطرق غريبة، عن الغضب، وهذه ظواهر مؤهلة للزيادة، يوما بعد يوم، خصوصا، مع اشتداد حدة الفقر، وعدم وجود امل للانسان.
ليس اسهل من الادانة، او البحث عن معلومات، تخص تاريخ الشخص لادانته، وليس اسهل ايضا، من التعامي عن اصل المشكلة، واعتبارها مجرد حادث يومي، يحصل في كل بلد، فالتعبير بهذه الطرق، قد يؤشر على ميل عام، للذهاب بعيدا، في التعبيرات، وليس ادل على ذلك، من ان كل تجارب الفقر في دول اخرى، تقود إما الى التطرف او انهيار المنظومة الاخلاقية، ولا شيء بينهما.

هذه رسالة واضحة الى من يهمه الامر، حول التغيرات الاجتماعية التي تطل علينا هذه الايام، فقد بات كل شيء ممكنا، ولم يعد هناك غرابة في اي فعل، وقد نسمع عن حوادث اخرى، بكيفيات اكثر سوءا.
الاستغراق بالمعالجة اليومية، واصدار البيانات، والارقام، امر روتيني، لكن السيئ فيه، انه يريد ان يقول لك، ان الامر تحت السيطرة، وان هذه حوادث عادية، خصوصا، مع تحولنا الى حياة المدينة بكل اشكالها، لكن البصيرة لو كانت نافذة حقا، لتوقفت مطولا، عند دلالات هذه الحوادث، وارتفاع الجرائم، والتورط في نماذج جديدة، لم تكن سائدة في الاردن.

هذا هو الملف الغائب، والحساس، والخطير، الواجب معالجته، بكل الطرق، وهذا غير ممكن الا بتشخيص دقيق لجذر المشكلة، لا ظاهرها.

الدستور