المزاج العام والطبطبة عليه

دون شك فإن تصفيق الناس مريح ويمنح النفس غرورا ويرضي شهوة ذاتية كامنة في اعماقنا جميعا، لكنها كما وصفها الشاعر احمد فؤاد نجم ذات قصيدة ضارة، فهو يقول : مُرّ الكلام زي الحسام يجرح مكان ما يمّر، اما المديح سهل ومريح يجرح لكن بضرّ، ومزاج الناس المبني على الغرائزية السياسية والخطاب الديني الغرائزي اثمر عن ضياع مفهوم النقد وشيطنة القائمين عليه ولعل ما حدث مع مقال الامس وتعليقات القراء كان مثالا على رغبة الناس في سماع ما يودون سماعه مثل الانظمة السياسية والاحزاب الدينية والقومية.
نعم لا يملك الشارع لاسباب كثيرة ارادة التحرير بل يملك الرغبة في التحرير، ويسقط الشارع لاسباب كثيرة في امتحان الاختيار السياسي ويكرر الرسوب مرة تلو المرة، فنحن تقودنا غرائزنا ومصالحنا الضيقة، والا كيف نفسر نجاح البرلمانات ثم شتمها صبيحة يوم اعلان النتائج ومن ثم المطالبة باسقاطها بعد اول جلسة برلمانية، رغم تكرار التصويت للنماذج ذاتها مع تغيير طفيف في الاسماء، وكيف نفسر ظاهرة المال السحت والحرام وقدرته على اجتياز حواجز العقل في التصويت.
كيف نفسر كل هذا الغضب على الوزراء والمسؤولين واجنداتهم متخمة بدعوات العشاء والغذاء والجاهات؟ سوى ان الشارع غرائزي وان الرأي العام تقوده عاطفته ولا يقوده عقله، فكثير من القضايا لا تحتاج الى عبقرية بل تحتاج الى وقفة صغيرة قبل التصفيق للخطيب، فخلال مناسبة قريبة طالب شخص يحمل شهادة اكاديمية عليا باسقاط الحكومة ورحيل الوزراء وكل رؤساء مؤسسات الدولة وبعدها اصدار قرار ؟ ومع ذلك تلتهب الأكف بالتصفيق كله، ناسية ان هذا يعني فراغا دستوريا ولن نجد من يصدر القرار حينها خاصة وانه طالب بحل النواب والاعيان ايضا.
امس غضب كثيرون من دعوتي للقدس بعدم الاصغاء الى هتافاتنا، وتلقيت سيلا من التعليقات السلبية، وانا اعرف ان الواحد منهم اذا جرح ابنه من سكين المطبخ يهرع لكل مستشفيات الاردن، واذا ما غامر ابنه بالانتماء لحزب سياسي او تحدث بالسياسة حتى فسيجد اللوم والرفض اذا لم يجد الصفعة على وجهه، واعلم انه كان يبحث عن نائب خدمات لتزفيت شارع او تعيين ابن ورفض فكرة النائب السياسي.
يعتب كثيرون اذا قلنا ان السؤال المعاشي تفوق على السؤال الوطني والقومي، وينسون ان معظم العاملين في الخليج كانوا يتهربون من دفع نسبة منظمة التحرير من رواتبهم والحجة طبعا واضحة بان الفساد معشش في المنظمة، وكيف ان كثيرين يتهربون من دفع الضرائب الوطنية ويسرقون الكهرباء والماء بحجة الفساد ايضا ولا احد يتحدث عن آلية وطنية لمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين وضرورة تشكيل قوة ضغط جماهيري من اجل ذلك.
مجاملة الرأي العام ضارة وقاتلة للمشهد الوطني مثل ضرر الارتماء في احضان الحكومات وتزيين اعمالها من اجل منفعة او مكسب ونحن نعيش لحظة حرجة ومؤلمة وتحتاج الى مكاشفة ومواجهة وليس الى طبطبة.

الدستور