العبوات والاكياس البلاستيكية تهدد جوف خليج العقبة

الحل في تحويلها الى مصدر للطاقة

 العقبة - كتبت : د. نهاية القاسم

البلاستيك من المواد الصناعية المضرة بالبيئة بداية من مرحلة التصنيع حتى عند التخلص منه، فمادة البلاستيك تولد العديد من المواد ذات التأثير السلبي على البيئة . والمثير للانتباه أن نسبة كبيرة من النفايات البلاستيكية لا ينتهي بها الأمر الى المكبات أو المحارق، بل تجد طريقها إلى شواطئ البحار حيث يستقر بها المطاف في قيعان البحار، مسببة بذلك أضراراً جسيمة بالحياة البحرية. 

وفي كل عام تقوم الهيئة البحرية في العقبة وسلطة اقليم العقبة وجمعيات البيئة بمساعدة طاقم من الغواصين بالعديد من الحملات لتنظيف جوف البحر، واستخراج (3-5) أطنان من النفايات المختلفة سنويا، والتي غالبيتها من العبوات والأكياس البلاستيكية، وقد نشرت العديد من  الأبحاث حول ملوثات البحر في العقبة، بينت أن أغلب الملوثات على بيئة المنطقة، تأتي من انتشار العبوات والأكياس البلاستيكية ، الى غير ذلك من حبال السفن وشباك الصيد والعبوات المعدنية والزجاجية والإطارات التالفة وأعقاب السجائر، وما تلقيه السفن من مواد صلبة وسائلة، حسب ما أكده الخبراء في محطة العلوم البحرية في العقبة.

أما عن هذه النفايات التي ينتهي بغالبيتها المطاف الى المكبات والمحارق، وهنا تنتهي مشكلة لتبدا مشكلة أخرى قد تكون أكثر ضررا، عملية حرق النفايات عموما وخاصة النفايات البلاستيكية؛ تتسبب في انبعاث غازات سامة مختلفة منها ثاني أوكسيد الكربون والميثان اللذان يساهمان في تزايد ظاهرة الدفيئة العالمية التي تؤدي بالتالي الى الاحترار أو الاحتباس الحراري، ومن الجدير بالذكر أن أثر كل طن واحد من الميثان يساوي عشرين ضعف أثر طن واحد من ثاني أكسيد الكربون. إضافة الى تطاير غبار الديوكسين الناتج عن احتراق النفايات الصلبة الصناعية، وهي من المواد الخطرة المضرة بصحة الانسان بشكل خاص. ففي واقع الأمر تم استخراج النفايات من قاع البحر للذهاب بها الى مكبات النفايات التي سببت أضرارا أخرى على حياة الناس ، وهنا لا بد من التفكير بحلول جذرية للتخلص من النفايات بطريقة سليمة وأقل ضررا على الانسان والبيئة.

كيف تتخلص بعض الدول في العالم المتحضر من النفايات البلاستيكية؟

 تتجه الدول إلى تقليص عدد مكبات النفايات والمحارق، عن طريق فرز النفايات وإعادة استخدامها بطريقة أو بأخرى، منها التدوير والوقود والسماد العضوي بحيث لا يتبقى الا القليل لملء المكبات.

وفيما يتعلق في كمية البلاستيك المعاد تدويره وتصنيعه على مستوى العالم فهي منخفضة جداً لذلك يتم التخلص منه عن طريق حرقه أو دفنه، ومخلفات البلاستيك تلوث الكتلة المائية حول العالم (البحار والمحيطات)، هناك أطنان من البلاستيك تطفو على سطح البحار والمحيطات في جميع أنحاء العالم عدا عن تلك التي يلقيها مرتادو الشواطيء عند التنزه ليستقر بها المقام في قيعان البحار والمحيطات، وتتسبب بمقتل الحيوانات البحرية والبرية والطيور. وقد تنبه الباحثون والعلماء في مجال البيئية وحماية البحار الى أضرار النفايات البلاستيكية على الكائنات.

إن اختراع البلاستيك – رغم مساهمته في التقدم الصناعي – إلا أنه ولّد مشكلة كبيرة لازال العالم يكافح لحلها، ويأتي هذا الحل في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب على مصادر الطاقة في العالم ككل، ففي حال تم تحويل البلاستيك إلى وقود وهي الطريقة الأمثل، فذلك سيقلل من انبعاث الغازات CO2السامة ، وبنفس الوقت سنرفع من وعي الناس إلى قيمة المواد البلاستيكية. هناك من يقدرون البلاستيك حيث يحتوي على قيمة عالية من الطاقة أعلى من أي شيء آخر قد نجده في حاوية النفايات .

قامت شركة يابانية بإنتاج آلة صغيرة آمنة جدا وسهلة الاستخدام ، يمكنها تحويل عدة أنواع من البلاستيك إلى مادتها الأولية ألا وهي الوقود، على الرغم أن اليابان قد حسنت كثيراً من كفاءة الاستخدام للمواد البلاستيكية على مدار السنوات إلى 72٪ في عام 2006 ، إلا أن هذا لا يعني أن يترك 28٪ من البلاستيك ليدفن في مدافن النفايات أو ليتم حرقه . ووفقا لبيانات معهد إدارة نفايات المواد البلاستيكية ، فإن المواد البلاستيكية التي تعالج بشكل كفؤ تنقسم إلى 20٪ التي يتم إعادة تدويرها، و52٪ التي يتم حرقها لغرض استرداد الطاقة ، أي توليد الحرارة أو الطاقة الكهربائية منها .

الآلة قادرة على معالجة البولي ايثلين والبولي ستايرين والبولي بروبلين والبلاستيك المصنعة منه زجاجات المياه المعدنية والقوارير ذات الأحجام المختلفة، وهذه الزجاجات يتم العثور عليها بكميات كبيرة عند استخراج النفايات البلاستيكية من قيعان البحار.

النتيجة أننا سنحصل على الغاز الخام الذي يمكن أن يعمل كوقود للمولدات أو المواقد ، وإذا ما تمت معالجته يمكن أيضاً ضخه كوقود للسيارة ، القارب أو الدراجة النارية .

ان كيلو غرام واحد من النفايات البلاستيكية كفيلة بانتاج ما يقارب لتر واحد من الوقود، لتحويل هذه الكمية نحتاج الى حوالي 1 كيلو وات من الكهرباء. والشركة تصنع الآلة بمختلف الأحجام وقد تم وضع  60 جهاز في المزارع ومصائد الأسماك والمصانع الصغيرة في اليابان وبعضها أيضاً في الخارج .

"إن قيعان البحار والمحيطات هي حقول نفط المستقبل" ، فحاوية النفايات المنزلية في اليابان تحتوي على أكثر من 30٪ من المواد البلاستيكية ، أغلبها مواد للتعبئة والتغليف.

النموذج المصغّر للآلة التي كانت جزءا من مشروع صغير بدأه أحد الأشخاص منذ عدة سنوات في جزر المارشال. حيث عمل مع الحكومة والمدارس لتعليم الناس ثقافة إعادة التدوير وقيمة البلاستيك في النفايات، ونشر حينها فكرة عدم القيام بحرق المخلفات البلاستيكية لما لها من أضرار سلبية جسيمة على البيئة من تصاعد كثيف للأبخرة والدخان السام وغاز ثاني أوكسيد الكربون،  بل وتعدت فكرته أكثر من ذلك بحيث قال أن ما نعتبره نفايات لها قيمة أكبر من ذلك بكثير ومن المؤسف التخلص منها بهذه الطريقة .

أن الاستفادة من النفايات البلاستيكية، هي خطوة إلى الأمام للتوصل إلى حل لمشكلة اعتمادنا المتزايد على النفط ومنتجاته، وتساعد على رفع الوعي بمضار انبعاثات الكربون، كيف ينتج وكيف يمكن التخفيف منه .

يصل إنتاج البلاستيك العالمي إلى أكثر من 299 مليون طن متري سنويا، واذا ما أصبحت نفايات فمعظمها يرسل إلى مدافن النفايات في العالم، أو الة الحرق ومع ذلك فقد توصل العلماء الى تحويل تلك النفايات وخاصة مادة البولي ايثيلين وهي المادة الأكثر انتشارا إلى وقود سائل.

وتشمل الأساليب المتبعة حاليا تحويل البلاستيك إلى وقود سائل عن طريق إخضاع المواد لحرارة مرتفعة أو للأشعة فوق البنفسجية، إلا أن العملية الجديدة التي يعملون على تطويرها والمعروفة باسم "cross alkane metathesis"، تبدو أكثر فعالية ونجاعة في تحليل البلاستيك من دون أي معالجة مسبقة، وفقا لتقارير الباحثين.

وتستخدم هذه العملية اثنين من المحفزات لتنشيط التفاعلات الكيميائية التي تفكك المواد التي استخدمت لصنع المواد البلاستيكية إلى مكونات أبسط. فبعد سلسلة من التفاعلات يتحول البولي إيثيلين إلى فحوم هيدروجينية قصيرة.

من الممكن تحليل البلاستيك من الزجاجات والأكياس؛ لإنتاج وقود سائل، ومواد شمعية شمع البارافين العضوي، وذلك باستخدام محفِّزات متوفرة.

إن البولي إيثيلين هو المادة البلاستيكية الأكثر شيوعًا في العالم، لكنْ يصعب تحليله؛ إذ إنه يتطلب عادةً درجات حرارة أعلى من 400 درجة مئوية. فقد قام فريق من العلماء والباحثين في الصين وفي كاليفورنيا بالعديد من الأبحاث ، تم التوصل من خلالهاأنه يمكن تحليل البولي ايثيلين باستخدام كواشف متاحة على نطاق واسع ومنخفضة التكلفة، تُسمى "الألكانات" الخفيفة، بجانب محفِّزات رئيسة؛ لتحويل البولي إيثيلين إلى زيوت ومواد شمعية.

وقام الفريق بتحليل أشكال مختلفة من البلاستيك إلى زيوت عند 175 درجة مئوية في غضون 4 أيام، بكفاءة تتراوح بين 51%، و86%، كما استخدم الفريق أيضًا النهج نفسه لتحويل 57-72% من النفايات البلاستيكية اليومية مثل الزجاجات، والأكياس البلاستيكية إلى زيوت.

لقد أدى ارتفاع معدل النمو السكاني والتوسع العمراني والازدهار الاقتصادي في الشرق الأوسط إلى تسريع معدلات الاستهلاك وزيادة معدل إنتاج النفايات بجميع أنواعها، وتحتل كل من البحرين والسعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت المراتب العشر الأولى في العالم من حيث نصيب الفرد من توليد النفايات الصلبة.

وتعدت كمية توليد النفايات الصلبة الإجمالية في دول الشرق الأوسط 150 مليون طن سنوياً. وأصبح خفض حجم وكتلة النفايات قضية حاسمة نظراً لمحدودية توفر مواقع التخلص من النفايات.

وهنالك بلا شك، حاجة واضحة للحد وإعادة استخدام وإعادة تدوير النفايات، ولكن في الآونة الأخيرة، بدأت عملية تحويل النفايات إلى وقود تكتسب أهمية كوسيلة بديلة لإدارة النفايات.

ويعتقد العديدون أن الممارسة الأفضل في استخدام الوقود أو الغاز هو إنتاج الكهرباء، ولكن ذلك غير صحيح لأن إنتاج الكهرباء عادة ما يتم بكفاءة  40-50 % ويعتبر الباقي فاقداً حرارياً. أما الفائدة الكبرى فهي في استخدامات الوقود المشتق من النفايات، والذي يمكن حرقه بطريقة بيئية؛ حيث يتم استغلال جميع السعرات الحرارية بأفضل كفاءة ممكنة.

ويستخدم الوقود المشتق من النفايات في تغطية احتياجات الحرارة والطاقة، ويستمد معظم هذا الوقود من عملية الإنتاج في الموقع نفسه أو قريب منه، ويستخدم بتكلفة قليلة أو معدومة، وبذلك يخفض تكاليف الوقود الإجمالية؛ حيث أنه يستبدل بالوقود الأحفوري، ويقلل استعمال وقود النفايات الصلبة أيضاً من حجم النفايات اللازم التخلص منها، ويخفض من تكلفة التخلص على المصنعين.

 وتستخدم صناعات الخشب والورق والمواد الكيميائية والنفط ومنتجات الفحم والبلاستيك والإسمنت كلها الوقود المستخرج من النفايات، بما فيها الزيوت والقطران ونفايات الورق، وأي شيء آخر يمكن استخدامه لتوفير الحرارة والكهرباء في المنشأة الصناعية.

فعلى سبيل المثال، يستخدم في صناعة الأسمنت مجموعة متنوعة من النفايات لتوفير الحرارة للأفران، بما في ذلك الإطارات القديمة، والنفايات البلدية الصلبة، والأقمشة الخردة، والدهانات، والأحبار، والمواد المتعارف عليها بـ RDF-.Refuse Derived Fuel وقود (RDF) هو الوقود الذي ينتج عن عملية تمزيق وتجفيف النفايات الصلبة، ويتكون إلى حد كبير من مكونات قابلة للاحتراق مثل البلاستيك والنفايات القابلة للتحلل.

تشكل النفايات البلاستيكية تحدياً بيئياً مهما في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث أنها في تزايد مستمر بسبب استخدامها في شتى مجالات الحياة واعتمادنا عليها اعتماداً كلياً في الصناعات المختلفة والتكنولوجية الحديثة المتقدمة.

إن منطقة الشرق الأوسط مسؤولة عن حوالي 8 % من الإنتاج العالمي من البلاستيك، علماً بأنه يتم تدوير حوالي 25 % فقط من إجمالي كمية نفايات المواد البلاستيكية عالمياً.

ونظراً للاهتمام العالمي المتزايد بالبيئة، لجأ كثير من الباحثين في مختلف دول العالم إلى تحويل النفايات البلاستيكية إلى زيت بترول مرة أخرى، واستخراج الجازولين والكيروسين والزيوت البترولية منه واستعمالها كوقود لإدارة المحركات، وذلك من خلال عمليات التحلل الحراري للنفايات البلاستيكية. ولقد اهتمت اليابان بتلك التقنية، وكذلك الهند، والصين، وكوريا، ودول شمال شرق آسيا.

ولم يعد تخليص العالم من النفايات ضرباً من ضروب الخيال، فبفضل تطور البحث العلمي والتكنولوجيا، أصبح بالإمكان الاستفادة من النفايات بدلاً من التخلص منها في المكبات التي ما زالت في توسع مستمر، ومن الجدير بالذكر أن هناك بعض الدول الصناعية في العالم تقوم بشراء النفايات من دول أخرى لاستثمارها وتحويلها الى طاقة.

حبذا لو تمت الاستفادة من أبحاث الدول المتقدمة في مجال الصناعة والطاقة، ونقل تجربتها والاستفادة منها،  إن استخراج هذا الكم الهائل من النفايات من جوف البحر في العقبة يدعو الى الاهتمام ، خاصة ونحن في أمس الحاجة الى مصادر الطاقة، ونشكو من الطلب المتزايد على مصادرها، ومن ارتفاع قيمة فاتورة الطاقة وما الى غير ذلك.

لنفكر في كيفية استخدام النفايات البلاستيكة، التي ما تزال توفر ما بعد انتهاء عمرها المفيد موارد طاقة قيمة، وهي قادرة على حل مشكلات متعددة ، تنظيف البيئة وحمايتها، وتوفير مصادر جديدة للطاقة.