تأثيرات انسانية تهدد المحميات البيئية والبيئة البحرية في خليج العقبة

 

127 نوعا من المرجان الصلب يعيش فيها

 

العقبة - كتب : د. نهاية القاسم والمحامي هاني الزميلي

 

يبلغ طول ساحل العقبة 27 كم ، ويتمتع خليج العقبة خاصة والبحر الأحمر عامة بشفافية كبيرة تعزى الى عدة عوامل قد يكون أهمها قلة المواد العالقة في الماء، وضعف التكوين الغذائي، وصفاء السماء، وقلة الامطار، الامر الذي يقلل من جرف التربة الساحلية الى البحر ويساهم في عدم تعكير المياه. ويبدو أن ذلك من أهم الاسباب المؤدية لنمو الطبقات المرجانية بصورة مثلى في خليج العقبة. إذ يخترق الضوء مياه الخليج حتى عمق 70م وتقل شدة الاضاءة مع تزايد العمق وتصل الى 1% من قيمتها على السطح عند عمق 100م 0.02% عند عمق 200م.

 

إدارة النفايات الخطرة

 

ولأجل حماية البيئة عموما والبيئة البحرية ، وافقت الحكومة بتاريخ 19/4/1989 على الانضمام الى اتفاقية (بازل) للتحكم بنقل النفايات الخطرة عبر الحدود وقررت الحكومة اعلان اراضي المملكة الاردنية الهاشمية بحدودها الدولية منطقة محظورة أمام النفايات الخطرة الاجنبية، كما قررت مخاطبة الامانة العامة للاتفاقية لابلاغ الدول الاعضاء باحترام ذلك، ولا تستقبل السواحل الاردنية اي نوع من انواع النفايات الخطرة من الخارج، كما قامت الحكومة الاردنية باتخاذ الاجراءات المناسبة والكفيلة بالتخلص من النفايات الخطرة الناتجة محليا.

 

 

مناطق المحميات في خليج العقبة

 

يتضمن الساحل الاردني الشرقي لخليج العقبة حتى الآن ثلاث مناطق تم تحديدها كمحميات بحرية وتم اختيار هذه المناطق بعد دراسة بيئية لتحديد المناطق ذات الكثافة المرجانية العالية. وتتركز المحميات الثلاث على رؤوس مناطق برية تم الاعلان حتى الان عن احداها كمحمية بحرية حيث قامت محطة العلوم البحرية بتسييج الموقع ومنع النشاطات المختلفة والصيد فيه. وقد تم انجاز ذلك كله ضمن المخطط التنظيمي للساحل الاردني الذي قامت باعداده سلطة اقليم العقبة وتديره بالاعتماد على الدراسات المختلفة.

وتعرف المحمية البحرية على أنها منطقة جغرافية، يتم تخصيصها ورعايتها وحمايتها من أية نشاطات بشرية، أو أية أخطار محتملة، وغالباً ما تغطي مجموعة واسعة من المناطق البحرية التي يفرض من خلالها قدر من التقييد لحماية الكائنات الحية وغير الحية ، والمواقع الثقافية و/ أو التاريخية ضمن حدود تلك المنطقة.

ويعيش في مياه خليج العقبة أكثر من 127 نوعاً من المرجان الصلب، وتنتشر على طول شاطئ المتنزه البحري التجمعات المرجانية والتي تسمى الحيود المرجانية الشاطئية او الرصيف المرجاني، وهو عبارة عن بناء حيوي تقوم ببنائه الأحياء الموجودة في البحر من كربونات الكالسيوم. واهم تلك الأحياء هو المرجان يساعده في البناء العديد من الأصداف وبعض الطحالب القادرة على افراز المادة الكلسية . والحيد المرجاني الشاطيء هو أحد أقسام الحيود المرجانية في البحار بشكل عام وهو النوع السائد في خليج العقبة حيث بدء بناء مثل هذا الحيد قبل مئات السنين عند نقطة على الشاطئ ثم اخذ يكبر ويمتد باتجاه البحر، وهو ضحل نسبياً الأمر الذي يجعله عرضه للدمار بفعل العوامل الطبيعية مثل المد والجزر الشديد او العوامل البشرية .

يفتقر ميناء العقبة الى منشآت لمعالجة مياه الاتزان والتي تحتاجها السفن بكميات مختلفة لحفظ توازنها، خاصة ناقلات النفط. ويعود ذلك لعدم تخصص ميناء العقبة حتى الآن في استيراد وتصدير النفس، الا ان اضطرار الميناء في الفترة الاخيرة للتعامل مع بعض مشتقات النفط ابتداء من عام 1984 ابرز ضرورة ايجاد مثل هذه الخدمات في الميناء. ويعد افتقار الميناء لهذه المنشآت نقصا في الاجراءات المطلوبة لحماية البيئة يجب العمل على تلافيه.

يشتهر البحر الأحمر في جميع أنحاء العالم ببيئته البحرية والساحلية الجميلة والتنوع الحيوي فيه ، بما فى ذلك الأنواع المستوطنة ، وأهميتها بالنسبة للنمو البشري. ولقد تمت الاستفادة من الموارد المحلية البحرية بطريقة مستدامة عبر آلاف السنين من قبل سكان هذا الإقليم ، غير أنه في الآونة الأخيرة ازداد الضغط على هذه  تصدير النفط عبر البحر وآذلك التوسع فى صناعة سياحة الغطس العالمية فضلاً عن النمو السكاني في المناطق الساحلية. لقد تم إنشاء مناطق محمية بحرية في جهات متعددة فى البحر الأحمر وخليج عدن كوسيلة للصون والاستخدام المستدام للموارد البحرية والنمو الاقتصادي. وتدعو الحاجة إلى أهمية صون المناطق التي تمثل سلسلة من المواطن الطبيعية والتنوع الحيوي الفريد في الإقليم ودعم التنمية الوطنية في هذا المجال.

وقد تم إنشاء شبكة للمحميات بين دول إقليم البحر الأحمر تضم 12 محمية بحرية فى منظومة إقليمية من المحميات البحرية فى البحر الأحمر ، كانت محمية العقبة الوطنية إحدى أهم هذه المحميات .

الأسماك

على الرغم من قلة الإنتاجية الغذائية لخليج العقبة كونه بحراً شبه مغلق إلا أن هناك أكثر من 450 نوعاً من الأسماك تعيش في مياه الخليج ، ويعتبر عدد من الرخويات والقنفذيات البحرية والطحالب والقشريات والأسماك من الحيوانات البحرية المستوطنة في خليج العقبة ، ويشاهد في فترات معينة من العام أضخم أنواع الأسماك والتي تعتبر من الكائنات الحية المهاجرة كقرش الحوت (البتان) والذي يصل طوله لاكثر من 20 متراً واسماك العقامة ( البراكودا ) و(الريم) وكذلك بعض أنواع الثدييات البحرية كالدلافين .

 

الحشائش البحرية

 

يوجد على امتداد شاطئ متنزه العقبة البحري ثلاثة أنواع من تجمعات الأعشاب البحرية في المياه الضحلة والتي يتراوح عمقها بين نصف متر الى 40 متر تقريباً ، وتعتبر هذه الأعشاب الغذاء المفضل لقنفذ البحر ولأسماك السيجان والغبان، كما أنها تشكل بيئة مناسبة للتفقيس وقضاء فترة حضانة للأسماك وخاصة الاقتصادية منها كأسماك السيجان والبنقس والسبلان ، إضافة إلى إنها ترفد منطقة الحيد المرجاني بالأسماك التي تفقس وتنمو بين حقول الأعشاب .

 

منطقة المد والجزر

 

تستضيف هذه المنطقة والتي تمتد على طول شاطئ المتنزه البحري تجمعاً كثيفاً من الكائنات البحرية المختلفة كاللافقاريات وعدة انواع من سرطانات البحر ، حيث حددت من قبل الباحثين بـ 36 رتبة وبمتوسط كثافة يبلغ 800 كائن / متر مربع من الأحياء على طول الشريط الساحلي لخليج العقبة .

وتزايدت الضغوط على البيئة بشكل عام والبيئة البحرية في العقبة خلال العقدين الماضيين كنتيجة طبيعية للنمو المتسارع للأنشطة الاقتصادية المختلفة وزيادة عدد السكان، الأمر الذي أدى الى  اتخاذ خطوات عمليه من شأنها الحفاظ على البيئة البحرية وحمايتها من التدهور فكان قرار إنشاء محمية العقبة البحرية في العام 1997 هو أهم هذه الخطوات حيث اصطلح على تسمية هذه المحمية بـ متنزه العقبة البحري . والذي تم إعلانه على شريط ساحلي على الشاطئ الجنوبي لمدينة العقبة في منطقة تضم تنوعاً هاماً وكبيراً من الشعاب المرجانية والأحياء البحرية .

يقع متنزه العقبة البحري على امتداد الساحل الجنوبي من خليج العقبة، ويقدر طوله بحوالي سبعة كيلومترات تمتد من الحدود الجنوبية لميناء الركاب في الشمال الى الحدود الجنوبية لنادي ضباط الامن العام في الجنوب، اما حدوده البرية فانها تمتد لخمسين مترا الى الشرق من اعلى نقطة لمد البحر ويمتد الحد البحري قرابة 350 مترا الى الغرب من اعلى نقطة لمد البحر .

وقد أنشىء هذا المتنزه من أجل المحافظة على البيئة البحرية الشاطئية على الشاطئ الجنوبي لمدينة العقبة الغنية بتنوعها الحيوي مع السماح ببعض الاستخدامات ضمن مستويات مدروسة ومستدامة وذلك من خلال وضع الإطار التشريعي لمتنزه العقبة البحري الذي يضمن المحافظة على صحة وسلامة البيئة البحرية وتكاملها لمنفعة الأجيال الحالية والمستقبلية.

ومن اجل حماية الأنظمة البيئية المختلفة والمواطن الحساسة في خليج العقبة، ومن أجل تجنب التداخل والنزاع بين الاستخدامات والأنشطة المتعددة داخل حدود المتنزه البحري، فقد عمدت إدارته ومنذ البداية الى تطبيق مبدأ تحديد مناطق الاستخدام حيث تم تقسيم المتنزه الى خمسة مناطق رئيسية وحددت فيها الأنشطة على النحو الآتي:

 

1- المنطقة المحمية : وتهدف الى حماية المجموعات البحرية على حالتها الطبيعية ما أمكن وذلك من خلال إزالة اوتقليل التأثيرات الإنسانية على هذه المنطقة. لذلك فان كل الأنشطة ستكون محظورة في تلك المناطق إلا بموافقة خطية من إدارة المتنزه .

2- منطقة السباحة والترفيه : وتهدف الى توفير منطقة ترفيه وتنزه آمن على الشاطئ حيث يسمح فيها السباحة، والنزول الى الماء والغوص. أما الأنشطة الممنوعة في هذه المنطقة فهي حركة القوارب (باستثناء قوارب الغوص الراسية على العوامات ) ، التزلج ، حركة الدراجات المائية ، الصيد ، والرسو.

3- منطقة القوارب : وتهدف الى توفير حركة آمنة للقوارب وممر لوصولها الى الشاطئ بدون تعريض المنطقة الشاطئية للخطر . حيث يمنع في هذه المنطقة الغوص والسباحة ونزول الماء والتزلج والدراجات المائية والصيد والرسو.

4- منطقة الغوص والسباحة بالقصبة : الهدف منها توفير مناطق غوص آمنة للتمتع بمشاهدة وتصوير الحياه البحرية تحت الماء ، حيث يمنع فيها الدراجات المائية والتزلج ، والصيد والرسو وحركة القوارب   .

 5- منطقة الشاطئ : وهي المنطقة البرية من المتنزه البحري والتي تقع على بعد 50 مترا من أعلى نقطة لمد البحر. حيث يتم التحكم في كافة الأنشطة في تلك المنطقة من قبل إدارة المتنزه البحري ويتم منح اذونات خاصة للاستخدام في تلك المنطقة باستثناء الاستعمال الفردي البسيط والتنزه كما لن يتم إقامة أية إنشاءات دائمة فيها باستثناء المظلات .

بقيت التشريعات البيئية  المتعلقة بحماية البيئة البحرية محدودة جداً حتى العام 1999 الذي شهد صياغة وإقرار نظام حماية البيئة البحرية والسواحل رقم (51) لعام 1999 استنادا الى قانون حماية البيئة رقم (12) لعام 1995 ، ولكن حتى هذا النظام لم يكن كافيا لتحقيق حماية قانونية فعالة للمصادر البحرية نتيجة لوجود العديد من الثغرات والنواقص التشريعية.

وفي نيسان 2000 تم بمرسوم ملكي إعلان العقبة منطقة اقتصادية خاصة وتم بناء عليه إصدار قانون منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة رقم 32 لعام 2000 الذي أعطت المادة (52) منه مسؤولية حماية البيئة في المنطقة وتحقيق مبدأ التنمية المستدامة لسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ، واستنادا الى المادة (56) (الفقرةهـ) من قانون منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، تم اقرار نظام متنزه العقبة البحري رقم 22 لعام 2001 .

 

 

عاشت الأحياء البحرية لمئات السنين بشكل آمن، ودون تهديد حقيقي على وجودها، في حين شهدت موائل تلك الأحياء خلال العقود الخمسة الأخيرة فقط دمارا كبيرا وتدهورا أدى إلى استنزاف مواردها الحيوية.

كان من بين الأسباب وراء ذلك التدهور، زيادة معدلات التلوث بالبيئات البحرية، أو تقلص مساحات مسطحاتها المائية، أو أعمال الصيد المفرط بها، الأمر الذي فرض أهمية إعلان بعض تلك الموائل "محميات طبيعية"، للحفاظ على مكوناتها، ووقف استنزاف مواردها.

ورغم تزايُد أعداد المحميات البحرية في مختلِف بحار العالم ، فإن العديد منها يفتقر إلى خطط إدارة ناجحة، وليس من المعروف مدى كفاءة هذه المحميات، وعدالة إدارتها، ومدى تأثير ذلك على مردوداتها الفعلية.

ووفق دراسة نشرها الباحثون، فقد طور فريق من الباحثين قاعدة معلومات عالمية، بهدف تقييم عمليات إدارة المحميات البحرية، وتأثير ذلك على التجمعات السمكية، وتقييم العلاقة بين عمليات الإدارة والآثار البيئية.

وخلص الباحثون إلى أن عددا كبيرا من المحميات البحرية عجز عن تحقيق الحد الأدنى للإدارة الفعالة والعادلة، بسبب عجز في فِرَق العمل المؤهلة، و/ أو نقص في الموارد المالية، إذ أظهرت الدراسة أنه على الرغم من أن 71% من المحميات البحرية كان لها تأثيرات إيجابية على تجمعات الأسماك، إلا أن هذه التأثيرات تتفاوت بشكل كبير بين محمية وأخرى.

وقبل ظهور مصطلحات "المحميات البحرية" Marine Protected Areas و"التنمية المستدامة" Sustainable Development، بمفهومهما الحديث، عرفت البشرية منذ عدة قرون بعضًا من ممارسات "الاستدامة الفطرية"، إذ كان كثير من الصيادين يتوقف عن الصيد في بعض المناطق أو خلال مواسم معينة، بهدف منح الأسماك فرصة للتكاثر، كما كانوا يتجنبون صيد الأسماك الصغيرة، إلى أن بدأ العالم يتنبَّه، خلال القرن الماضي فقط، إلى ضرورة وضع مصادر الثروة السمكية وغيرها من الثروات الطبيعية تحت الحماية؛ حفاظًا على حق الأجيال القادمة.

أخيرا فإن كفاءة إدارة المحميات البحرية تعتمد على عدة عناصر أساسية، منها "الأدوات والإمكانيات والأفراد"، وأن الوصول إلى إدارة عادلة ومستدامة للمحميات البحرية يتطلب تطبيق أشياء أساسية :

1- "النهج التشاوري"، ويُقصد به إشراك جميع المنتفعين، وعلى كافة المستويات، في تحديد المشكلة المراد حلها، وذلك من خلال تجميع كافة المعلومات المتاحة وعرضها عليهم، والبحث عن حلول من خلال عملية تشاوُرية، يُتفق عليها ويتم رصدها بصورة مستمرة.

2- "النهج الاحترازي" أنه في حالة عدم توافر قدرٍ كافٍ من المعلومات والبيانات، يبنبغي إدارة المحميات وفق دراسات معدة مسبقًا بمعطيات متعددة.

3-  "النهج البيئي"، ويختص بدراسة التفاعلات المختلفة بين عناصر البيئة الحيوية وغير الحيوية، وصولاً إلى إدارة النظم البيئية إدارة متكاملة ورشيدة.

ولا بد من تعزيز الشراكة مع المجتمعات المحلية، وبناء جسور للثقة، من خلال منح أفرادها تصاريح لإدارة أنشطة محددة داخل المحميات، على أن تتفرغ كوادر المحمية من المتخصصين لأعمال الصون والحماية.