تغيير اللغة تجاه سوريا

بلال العبويني

ليس عبثا القول إن الحرب في سوريا انتهت، بمعناها العسكري الذي كانت عليه خلال السنوات السبع الماضية، بل هي الحقيقة بما نسمعه من تصريحات لمسؤولين عرب وغربيين دفعوا الكثير من أجل الوصول إلى تغيير رأس النظام السوري والفوز بحصة من النفوذ على الأراضي السورية، دون أن يتمكنوا من ذلك.

قبل عام من الآن، لم يكن لأحد أن يتوقع انعقاد اجتماع في الرياض يقول مسؤولون غربيون فيه لمعارضين سوريين إن الرئس بشار الأسد "موجود ليبقى"، وذلك أن السعودية واحدة من الدول التي ظلت مصرّة على أن لا دور للأسد في سوريا "لا في المرحلة الانتقالية ولا في المستقبل".

بل إن دول أولئك المسؤولين الغربيين كانت على ذات الإصرار من رحيل الأسد، بيد إن ثمة تحول جذري اليوم في موقفها، ونحن إذ نقول ذلك نشير إلى بريطانيا وفرنسا التي قال مسؤولون فيها في اجتماع الرياض أيضا إن "من حق الأسد المشاركة في أي انتخابات قادمة".

لا شك أن تغير موقف هذه الدول له أسبابه التي من أهمها صمود الدولة السورية أمام الحرب الطاحنة التي تعرضت لها، ونجاحها في عقد تحالفات مهمة ساهمت في تصليب موقفها ودعمها في تحقيق النصر تلو الآخر وعلى الأخص تحالفها مع روسيا الذي ساهم في أن تكون اللاعب الأبرز الذي يفرض شروطه فيما تعلق بالأزمة السورية.

إن أخطر ما كانت تتعرض له سوريا هو فتح تركيا الحدود للمجاميع الإرهابية لتعبر الحدود إلى سوريا إضافة إلى دورها في تقديم الدعم اللوجستي والتبادل التجاري القائم تحديدا على شراء النفط المسروق من آبار النفط في سوريا والعراق.

وهذا الخطر تم تجاوزه، بعض الشيء، عندما التحقت تركيا بمحور روسيا وعندما تمكنت الحكومة السورية من تعظيم الخطر الكردي عبر التحالف مع أكراد، الذي يشكل إقامة كيان لهم في الشمال السوري أكثر ما تخشاه أنقرة.

اليوم، بات العنوان الأبرز للأزمة السورية، هو التعاون للقضاء على داعش، وفي الحقيقة كان لموقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ أن سكن البيت الأبيض دور في ذلك، عندما قال إن الأولوية بالنسبة إليه هي محاربة الإرهاب، وأن الأسد شريك في الحرب على داعش، وعندما قال إنه ليس من أولويات الولايات المتحدة تغيير الأنظمة.

بيد أن حادثة "خان شيخون" المفتعلة، وما نتج عنها من ضربة أمريكية، اعتقد الكثيرون أن ترامب غيّر من موقفه ليدركوا لاحقا أن الضربة لم تكن أكثر من رسالة مفادها أن "أمريكا موجودة".

وحدها الأردن، ظلت على امتداد الأزمة على موقفها من أن لا حل للأزمة إلا سياسيا، ولذلك تحملت ضغوطا كبيرة من عدة أطراف، ولعل أبسطها رفض قطع العلاقات الدبلوماسية، التزاما بقرار الجامعة العربية.

في الأيام الأخيرة تبادل الأردن وسوريا رسائل إيجابية، فكلاهما يدرك أن في ذلك مصلحة لهما، حيث تكمن مصلحة الأردن في استقرار الجنوب السوري وفي بقاء الجغرافيا السورية موحدة وفي أن يكون حارس الحدود على الطرف المقابل هو الجيش السوري وأخيرا في فتح المعابر الحدودية.

كما وتدرك دمشق أن مصلحتها تكمن في تحسين العلاقات مع الأردن التي تعد بوابة مهمة لها في ظل استمرار التوتر في أقصى شمالها. كما أنها مهمة لها في المرحلة المقبلة التي تعد فيها للخروج من الأزمة وبالتالي الخروج من العزلة وتحديدا مع الجوار.

اليوم، يمكن القول إن الحكومة السورية بدأت تحضّر للمرحلة المقبلة، ما بعد الحرب، ويعتقد الكثيرون أنها ستنجح في ترميم الكثير من ما أصابها من خراب، لأن القيمة هنا تكمن، على خلاف العراق وليبيا واليمن أيضا، أن المؤسسات السورية وأهمها الجيش مازال قائما ومتماسكا.