المذهب الفردي ... والمذهب الشمولي !!!

 

 

المهندس هاشم نايل المجالي

 

في كل دولة هناك قوانين وانظمة وتشريعات تحدد وترسم العلاقة بين الفرد والجماعة فالدول الرأسمالية تعتبر في جوهرها النظري ان الفرد هو الاصل والاساس واذا ما تعارضت مصلحته مع مصلحة الجماعة فان مصلحته هي المفضلة والمقدمة على مصلحة الجماعة والمجتمعات الرأسمالية عموماً تقيم بناءها الاجتماعي على اساس هذه القاعدة وهو ما يسمى بالفكر السياسي بالمذهب الفردي اي ان كل نشاط في المجتمع موكول بالفرد وعلى الدولة ان توفر له الامن والامان والصلاحيات والميزات ومساحة اكبر للعمل والحرية لأن الاساس في هذا المذهب هو الحرية الفردية الكاملة .

كذلك فان هناك دول اخرى تقوم على عقيدة ان الجماعة مقدمة على الفرد والمصلحة الاهم هي مصلحة الجماعة وليس الفرد وهو ما يسمى بالفكر السياسي بالمذهب الشمولي حيث ان الحرية الفردية في هذا المذهب لا تعني شيئاً وهناك الانظمة الشيوعية مثلاً تمجد هذا الفكر السياسي اي ان المذهبين الفردي والشمولي متناقضين والوسط بين هذين الطرفين هو القول بأن الفردية والشمولية طرفان يكمل بعضهما البعض اي تضمن للفرد حريته بحيث لا تتعارض مع حركة وحرية الجماعة وان يكون هناك ميزان العدل بين حقوق الافراد اتجاه الجماعة وواجباتهم اتجاه الجماعة دون ان تتعارض المصلحة العامة حيث ان لهذا الميزان كفتان فيهما الحقوق والواجبات المتبادلة بين الفرد والجماعة على ان تظل الكفتان متعادلتين لا تثقل احداها على الاخرى حتى لا يكون هناك تصادم وتعارض بينهما فالدول الاشتراكية تقيم الميزان بين الفرد والجماعة ولا تسمح بالتصادم بينهما على ان يكون الفرد والجماعة في خدمة الدولة بينما الرأسمالية تؤمن بالايمان المطلق بقيمة الفرد بشكل مطلق بغير قيود وهنا يكون التصادم عندما يكون هناك احتكار والذي يتصادم مع مبدأ المنافسه حيث ان المنافسة اساساً مهماً في السوق الحرة بينما في الاشتراكية فللفرد ان يملك لكن في ضمن الحدود المسموح بها وللجماعة ان تملك ايضاً ولكن بغير ضغيان على حق الملكية الفردية او الغاء وتهميش الفرد بينما الاسلام يحرص على تأكيد معنى الانسانية الشامل ويوضح العلاقة بين الفرد والجماعة فالجميع سواسية فليس للفرد في الاسلام ان يطغى على الجماعة وليس للجماعة ان تطغى على الفرد وليس من حق احد الطرفين ان يلحق الاذى والضرر بالاخر مستنداً على ان له الحق بذلك كونه مدعوماً وهناك من يؤازره في ذلك من اصحاب النفوذ .

حيث ان الحق يقابله الواجب وبدون الموازنة العادلة بين الحقوق والواجبات فان الفرد والجماعة كليهما ستكون بينهما الصدامات اي انهما هالكان لا محالة وهذا ما حدث في كثير من الدول العربية المجاورة حيث تعارضت مصلحة الفرد المدعوم من قوى النظام مع مصلحة الجماعة وليس ابلغ في الدلالة على ذلك عندما رفض الاسلام منطق الصلاحيات المطلقة للفرد وصور لنا ذلك في الحديث النبوي الشريف " إن قوماً ركبوا سفينة فاقتسموا فصار لكل منهما موضع فنقر رجل منهم موضعه بفأسه فقالوا له ما تصنع قال هو مكاني اصنع فيه ما أشاء فإن اخذوا على يده نجا ونجوا وان تركوه هلك وهلكوا " وهذه صورة بلاغية جميلة توضح لنا قضية العلاقة بين الفرد والجماعة فلا يجب لاحدهما ان يطغى على الآخر فالسفينة ليست ملكاً شائعاً للجماعة اي انها ليست ملكية عامة وانما هي ملك للافراد جميعاً وعليهم ان يتعاونوا فيما بينهما اي تكامل الواجبات بين الملكيات الفردية داخل اطار الجماعة الواحدة وليست للفرد مهما كانت صلاحياته وامكانياته وقدراته ان يفعل ما يريد بحيث يلحق الضرر بالاخرين ويهلكهم اي يهلك الجماعة اي على الفرد ان لا يخل بنظام التوازن العادل بالواجبات بل ان تكون هناك افعالاً ايجابية فردية وجماعية وحتى لا تحطم الفردية الجماعة بل يكون هناك تبادل المنافع وان يستفيد الطرفان وكما اسلفنا سابقاً ان هناك افراداً في بعض الدول المجاورة اخذوا الصلاحيات المطلقة من السلطة التنفيذية فعاثوا فساداً واحتكروا كل ما من شأنه ان يدر عليهم دخلاً مالياً وفيراً وازالوا من طريقهم كل معارض لذلك فرجحت كفة الميزان لصالح الفردية والمكاسب المالية الخاصة على حساب الجماعة والمصلحة الوطنية فبدا واضحاً ان هناك يوماً سيكون الصدام والهلاك والخراب وعلى بقية الدول ان تعتبر من ذلك وان لا تسمح لأي فرد ان يستغل السلطة او اي نوع من الدعم والمساندة له من اجل تحقيق مصالحه الشخصية ومكتسباته المالية على حساب الاخرين بالقوة والهيمنة لان ذلك كمن ثقب القارب من الداخل سيؤدي الى الغرق والهلاك .

 

 

hashemmajali_56@yahoo.com