مخاطر التلوث البيئي الناجمة عن عدم الالتزام بذبح الأضاحي في الأماكن المخصصة

د. نهاية القاسم

مع بدء الاستعدادات لاستقبال عيد الأضحى المبارك ، من عملية شراء الحاجيات والملابس والحلوى، وبفضل ما يتميز به عيد الأضحى من خلال قيام عدد كبير من أفراد المجتمع بشراء الأضاحي ، ومع ما تحرص الجهات المختصة على توفير كافة الخدمات للمواطنين من أجل اتمام كل هذه الطقوس براحة ويسر خلال اجازة العيد، الا انه تظهر للعلن عدة سلوكيات سلبية وتصرفات فردية تعكر صفو التمتع بقضاء الإجازة، والتي  تنم عن قلة وعي شريحة من الأفراد، وعدم مسؤوليتهم تجاه الممتلكات العامة، وتصرفات أخرى تشوه المنظر العام، ولا تعبر عن قيم المجتمع الأردني التي اعتدنا عليها ، وتكلف الجهات الحكومية المختصة فاتورة إضافية، من الأجدر استغلالها لتقديم خدمات إضافية للمواطن.

اذ يقترن عيد الأضحى المبارك بذبح الأضحية التي هي أحد الشعائر المقدسة ومالها من أجر يبتغيه العبد للتقرب لربه، وينقسم الأفراد في ذلك إلى شريحتين، منهم من يتجه للمسلخ لذبح أضحيته بالطرق الصحية والآمنة تحت إشراف متخصصين ،ومنهم من ما زال يصر على ذبح إضحيته بالمنزل أو عند قارعة الطريق أو عتبة المنزل أوبالمزارع؛ كونها عادة متوارثة تؤدى وفق طقوس عائلية يتشارك بتأديتها أفراد الأسرة او العشيرة، أو بُعداً عن زحام المسالخ وأماكن الذبح، خاصة  في صبيحة اليوم الأول من العيد أو أيام العيد بصورة عامة أو لأي سبب من الأسباب. من المؤسف أن نرى مشهد برك المياه الملوثة بدماء الأضاحي في بعض المناطق والأحياء السكنية سواء على الشوارع أو أمام المنازل، وترك مخلفات الأضاحي في الشوارع أو عند الحاويات لتعبث بها الحيوانات الضالة التي تبحث عن غذائها، وما زال هذا المشهد يتكرر، حيث أن انتشار ذبح الأضاحي على جوانب الطرق وأمام المنازل تعد ظاهرة غير صحية، وتتسبب بالعديد من المشاكل البيئية كجريان الدماء والماء إلى مسافات بعيدة،إلى جانب رمي مخلفات الأضاحي في الساحات العامة؛ مما يجعلها تعج بالروائح الكريهة والتي تستمر لأيام ما بعد عيد الأضحى، كما وتجذب تلك المخلفات الحشرات والكلاب الضالة حولها ما يتسبب بضرر صحي على المواطنين في المناطق التي تكثر فيها الظاهرة. كما أن الاستعانة بالأشخاص المتجولين أحيانا يتسبب بتشويه المظهر العام، وذلك بسبب قيامهم بأعمال الذبح تحت الأشجار وعند أسوار المنازل، مخلّفين وراءهم الأوساخ والدماء ومشهداً غير حضاريا.

وبالرغم من قيام الجهات المختصة بتوفير أماكن مخصصة لذبح الأضاحي الا أن غالبية أفراد المجتمع يفضلون  أن يكون الذبح والسلخ في المنازل، خاصة أولئك البعيدين عن المدن ومراكز المحافظات ، حيث يتجمع أفراد الأسرة من أجل المساعدة في ذلك. ومع كثرة التجمعات السكانية والبشرية تجد الكثير مخلفات الأضاحي متناثرة في مختلف الأماكن وفي الأحياء السكنية وبين البيوت والطرقات، مما سبب في نشوء روائح كريهة وازدياد في تجمعات الحشرات والقوارض والذباب، ناهيك عن ما تسببه الدماء من تكون للبكتيريا والفيروسات بسبب ارتفاع درجات الحرارة والتعفن فتكون من مسببات الأوبئة والعديد من الأمراض الني تنقلها الحشرات. فهنا لابد من أن يعي الجميع بأهمية الذبح في المسالخ التي أوجدتها البلديات في مختلف المحافظات والألوية. حيث خصصت الحكومة مشكورة أماكن عديدة في كل المناطق وبعمل بساعات طويلة خصوصا في الأعياد، وكل ذلك من أجل تلافي تلك المناظر غير الحضارية، وحماية المجتمع مما تسببه عملية الذبح في المنازل من أضرار بيئية وصحية، ناهيك عن الأمراض التي قد تكون الأضحية حاملة أو مصابة بها ولا يمكن اكتشافها إلا عن طريق الفحص البيطري الموجود في المسالخ، وهذا بحد ذاته خدمة جليلة ومقدرة تضع حداً لانتقال تلك الأمراض من الحيوان إلى الإنسان، وفي أحيان كثيرة تصل إلى إتلاف الأضحية، وفي هذا الوقت مع كثرة هذه الأمراض، حيث بتنا نسمع الكثير والكثير عنها بمختلف المسميات والأشكال، فلابد إذا أن يدرك المجتمع الأهمية الكبرى التي أوجدت من أجلها المسالخ ،  أو على الأقل القيام بتنظيف المكان قبل وبعد الذبح والتخلص من هذه المخلفات بطريقة صحيحة سليمة، ويبعد نفسه عن كل ما يفسد أو يتسبب في إفساد فرحة العيد السعيد وبهجته وصفاء أيامه بممارسة مثل هذه السلوكيات الخاطئة في ذبح الأضاحي.

تفشي الأمراض.. وتكاثر البكتيريا

لا شك بأن ذبح الأضاحي في عيد الأضحى المبارك من الشعائر التي تحرص عليها الأسر الأردنية والعربية والمسلمون عموما؛ ويكتسب المجتمع الأردني خصوصية في أداء هذه الشعيرة؛ نتيجة لحرص كل أسرة على ذبح أضحيتها في المنزل حسب التقليد المعروف؛ إلا أن ذلك أصبح ينطوي على مخاطر محتملة؛ حيث من المحتمل أن تكون الأضحية مصابة بداء قد يشكل خطراً على صحة أفراد الأسرة؛ فهذه المواشي كما هو معلوم تستورد من أماكن ومناطق جغرافية مختلفة؛ وقد تكون مصابة بأمراض مختلفة؛ وبالرغم من عمليات الفحص التي تمر بها هذه المواشي قبل أن تصل للمستفيدين، إلا أن بعضها قد لا تظهر عليه الأعراض لكونها في بدايتها، وينتج عن ذلك تجاوزها ووصولها إلى الأسواق ووقوعها في النهاية مع إحدى الأسر. وتلافيا لهذه المخاطر وجد خيار أن تذبح هذه المواشي والأضاحي في مسالخ البلديات، حيث تخضع كل أضحية لفحوصات من قبل مختصين لتجنيب الناس أية مخاطر محتملة لتفشي أمراض فيروسية خطيرة. ولذلك حري بالناس اليوم الاستفادة من المسالخ في ذبح الأضاحي، وكذلك تجنباً للتعرض للدم الملوث الذي يتجمع نتيجة عملية الذبح ويختلط مع الماء في بعض المناطق الرطبة، وبالتالي يشكل بيئة قابلة لتكاثر البكتيريا والبعوض الذي هو أيضا قد ينقل الأمراض الخطيرة.

 

 

السلامة والوقاية

إن ظاهرة الذبح داخل المنازل ظاهرة تتنافى مع اجراءات السلامة والوقاية من العدوى والأمراض المترتبة عن دماء الأضحية وسهولة انتقالها للإنسان. ناهيك عن الروائح الكريهة والجراثيم والأوبئة التي تخلفها هذه الظاهرة غير الحضارية، مما يجعل من المكان ملوثاً لزمن ليس بالقصير ومحلا لتكاثر الميكروبات، ولهذا السبب وغيره على الجميع التقيد بالذبح في الأماكن المخصصة لذلك، فعلى المجتمع التعاون مع تلك الجهود لتسهيل المهام بكفاءة وأداء عالي المستوى. بينما عملية الذبح العشوائي خارج المسالخ يعد سلوكاً غير حضاري يتسبب في إلحاق أضرار بالصحة العامة للأفراد وبالبيئة، ويوفر مناخاً ملائماً لتكاثر الحشرات والبعوض، ويتكاثر حولها الذباب وتلوث البيئة المحيطة بنا من كل مكان، والأخطر من ذلك كله ليس التلوث البيئى فحسب، لكن هناك مخاطر على صحة الإنسان إذا تناول اللحوم غير المعروضة على الأطباء البيطريين، ومن أخطر هذه الأمراض السل الرئوى واليرقان والدودة الشريطية والطفيليات والبروسيلا والمقوسات.. وغيرها من الأمراض والمخاطر التي تصيب الإنسان.

الشوي على المسطحات الخضراء والجزر الوسطية

يجد كثير من الأفراد والأسر راحتهم في قضاء أوقات فراغهم في الإجازة في الحدائق العامة والمتنزهات التي تنتشر في مختلف المناطق في بلدنا، والتي تمثل متنفساً مجانياً لجميع أفراد العائلة للاستمتاع بقضاء أوقات جميلة وممتعة في المساحات الخضراء وخاصة في الميادين العامة والجزر الوسطية ، والتي تم تزوديها بالمرافق الضرورية والألعاب لمختلف الفئات العمرية للتسلية والترفيه بعيداً عن زحام المدينة وصخب الحياة اليومية. وتشهد هذه الحدائق زيادة مطردة في أعداد الزوار من مواطنين ووافدين من خارج المحافظات، يقابلها ظهور بعض السلوكيات غير المسؤولة للعلن تجاه المتنزهات ومرافقها، تتمثل بشريحة معينة من الأفراد ممن يهملون نظافة المكان بترك مخلفات الطعام مكان جلسوهم، وآخرين ممن يسيئون استعمال المرافق المتاحة، متسببين بتشويهها وتخربيها. بالإضافة إلى العبث بالنباتات أو الزهور واقتلاعها، والعبث بأنظمة الري أواستخدام معدات شواء الأطعمة باستخدام الفحم للشوي على المسطحات الخضراء والأشجار، مما قد يتسبب باحتراق النباتات الجافة ويشكل خطراً على سلامة رواد الحديقة أو المتنزه. والتي هي لا شك تصرفات فردية تنم عن فئات غير مكترثة ولا مبالية ينقصها الوعي والتوجيه.

عادات غذائية متوارثة

أن الكثير من الناس في مجتمعنا يفضلون الإفطار على كبد الأضاحي بعد الذبح مباشرة، وهي عادة غير صحية في أغلب الأحيان ، فقد تكون الأضحية قبل الذبح مصابة بأمراض معدية للإنسان يصعب على من يذبحون خارج المسالخ اكتشافها، ونتيجة لعمليات الطبخ السريعة وغير الصحية في أحيان كثيرة تنتقل العدوي للإنسان، في النهاية سيصاب حتما بالأمراض الخطيرة.

وتجد أنه في فترة العيد أن كل من ليس له مهنة يأتى بسكين، ويبدأ في ذبح الحيوانات في الشوارع وعلى المناهل والمصارف دون أن يدرى بمعنى الذبح من الأساس، لكن الشخص المتخصص بالذبح يكون متدربًا تدريبًا جيدًا ومعه شهادة صحية حتى يكون الذبح والسلخ مضبوطًا حسب ما جاء بالشريعة الإسلامية، ففي فترة العيد تكثر الانتهاكات التي تحدث من بعض الأشخاص بمن يقوم بغز الحيوان في رقبته ومن يعرقب له رجله، فيقومون بعملية قتل للحيوان وليس ذبحه حسب الشريعة الإسلامية، ناهيك عن الاساءة اليه وتعذيبه بطريق غير مقصودة.

مخاطر النقل السيئ للحوم

النقل السيئ وعدم وجود مبردات لحفظ اللحوم أثناء النقل، يعرضها للتلوث بالغبار والأتربة وعوادم السيارات والحشرات والميكروبات، وكذلك العرض السيئ للحوم في بعض منافذ البيع يزيد من تفاقم انتشار الميكروبات، وبالتالي تزايد الأضرار الناجمة على الصحة العامة من تناول تلك اللحوم.

الحلول للحد من التلوث وانتشار الأمراض

ازاء ذلك كله لابد من وضع الخطط اللازمة لكيفية تلافي مخاطر تداول اللحوم خلال الذبح بالمسالخ والأماكن المخصصة لها، مثل ضرورة توافر أماكن للحجر بالمجازر لاستقبال الحيوانات، وإجراء الفحص الطبي قبل الذبح بغرض مراقبة الحالة الصحية للحيوان لتحديد السليم من المصاب، خاصة خلال حجر الحيوانات في المحاجر البيطرية بالمناطق الحدودية، حيث يعتبر ذلك هو خط الدفاع الأول لمنع الأمراض الوافدة مثل الحمى القلاعية والطاعون البقري، لأن بعض الأمراض تحتاج اهتماما خاصا أثناء الفحص بعد الذبح (الأورام، التهابات المفاصل)، ما يستلزم ضرورة وجود مبردات لحفظ اللحوم أثناء النقل تراعي الاشتراطات الصحية الخاصة بنقل اللحوم، لحمايتها من التلوث بالغبار والأتربة وعوادم السيارات والحشرات والميكروبات وكذلك أماكن عرض اللحوم في منافذ البيع.

اضافة الى ذلك لا بد من ادارة المخلفات بالتخلص الصحي والآمن من المخلفات الثانوية غير الصالحة للاستخدام البشري، والحيوانات النافقة تجنبا للتلوث البيئي، وهنا يأتي دور الدولة والأجهزة الفنية في تدريب العاملين بالمسالخ على اتباع الاشتراطات والممارسات الصحية الجيدة الخاصة بإنتاج لحوم سليمة بأقل معدل تلوث، فضلا عن التأمين الشامل للعاملين بالمسالخ ضد إصابات العمل أو الإصابة بالأمراض المعدية، وتطوير المسالخ من حيث البنية التحتية.

جوانب سلبية تشهدها اماكن ذبح الحيوانات، ما بين ممارسات الذبح والتشفية والتقطيع للحوم، وسط مخلفات الذبيحة مثل الكرشة والأمعاء والكبد والكلية والقلب، لدرجة عدم القدرة على التفرقة بين الأجزاء النظيفة والملوثة.

تفعيل الرقابة والقوانين البيئية

إلى جانب ذلك تأتي ضرورة تعزيز الخطاب الديني، وتضمين قيم الرفق بالحيوان والمحافظة على الممتلكات العامة بالمحاضرات الدينية والخطب في المساجد، وتدعيم وتعزيز قيم المواطنة من خلال الاهتمام بالموروث الحضاري والعادات والتقاليد، وتعزيز الحس الوطني وحب الأرض والمسؤولية تجاه الوطن والمال العام والممتلكات العامة. كما ينبغي أن تقوم وسائل الإعلام والنوادي الثقافية بأدوار مكثفة في زيادة التركيز على الخطاب التوعوي بوجوب المحافظة على النظافة والممتلكات العامة، والتوعية بالقوانين المحلية المتعلقة بالمحافظة على الممتلكات العامة، وضرورة تفعيلها وتطبيقها.

وضرورة تفعيل القوانين والأوامر المحلية وقوانين البلديات المتعلقة بالمحافظة على الممتلكات العامة، يجب أن تكون هناك ردة فعل جادة من الجهات المختصة لمعاقبة كل مخالف للقوانين والأنطمة المتعلقة بالصحة العامة، فتطبيق العقوبة قد يكون ردعاً للعابثين بالممتلكات العامة، وضرورة تكثيف الحملات التوعوية والارشادية للمحافظة على المرافق العامة من العبث والتخريب، والتنسيق في ذلك مع وزارة التربية والتعليم، ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، والهيئة العامة للاعلام  من خلال وسائل الاعلام المختلفة؛ لاستخدام القنوات المناسبة والوسائل الإعلامية من أجل إيصال الرسالة لأفراد المجتمع وعلى مدار الساعة .