ألف قتيل و300 ألف لاجئ بحق مسلمي الروهينجا

 حلقة جديدة من مسلسل الاضطهاد الممنهج الذي يتعرض له مسلمو (الروهينجا) الذين يقطنون إقليم (راخين) غرب ميانمار (بورما سابقا) أسفرت عن مقتل ألف شخص وفرار 300 ألف إلى بنجلاديش المجاورة، تتم فصولها في القرن الحادي والعشرين، وكأن كل تقدم أحرزته البشرية على مدى تاريخها تمكن التضحية به بسهولة إرضاء لنزعة انتقامية أو إقصائية لدى مهاويس التطهير العرقي أو الديني.

شعب (الروهينجا) الذي يوصف بأنه "أكثر الشعوب تعرضا للنبذ والاضطهاد عالميا" جرده قانون الجنسية الصادر عام 1982 من المواطنة، وما يترتب عليها من حقوق، فلا يسمح لأفراده بالسفر دون إذن رسمي، كما منعوا من امتلاك الأراضي، وأجبرتهم السلطات في ميانمار على توقيع إقرارات تلزمهم بعدم إنجاب أكثر من طفلين لكل عائلة، كما تمارس السلطات ضدهم كل الأفعال التي تجرمها القوانين الدولية ومواثيق الأمم المتحدة مثل مصادرة الأراضي والإخلاء القسري، وتدمير مساكنهم وفرض قيود مالية على الزواج والعمل بالسخرة في إنشاء الطرق ومعسكرات الجيش.
 
أول ظهور لاضطهاد المسلمين الروهينجا لأسباب دينية وقع في عهد الملك باينتوانج الذي قرر عام 1559 حظر ممارسة الذبح الحلال للدجاج والمواشي بسبب التعصب الديني، وأجبر المسلمين على الاستماع إلى الخطب والمواعظ البوذية في محاولة لإجبارهم على تغيير دينهم.
 
فيما وقعت أولى المذابح المروعة للمسلمين في (راخين) ضد مسلمين لاجئين من الهند، وتمت إبادتهم بشكل كامل، وتواصل مسلسل الاضطهاد ففي عهد الملك بوداوبايا (1782-1819) قبض على أربعة من أشهر أئمة ميانمار المسلمين في (مييدو) وقتلهم في العاصمة (أفا) بعد رفضهم أكل لحم الخنزير.
 
وتجددت المذابح ووقائع الاضطهاد في أعوام 1930 و1938 الذي شهد انطلاق حملة (بورما للبورميين) فنهبت متاجر المسلمين ومنازلهم، كما تعرض المسلمون إلى اعتداء وذبح، وتضرر حوالي 113 مسجدًا، وفي 1942م ارتكب البوذيون مذبحة أخرى قتلوا خلالها 100 ألف مسلم ودمروا جنوب (راخين) بالكامل، ومع وصول الجنرال ني وين إلى السلطة سنة 1963 وسط صعود للموجة القومية، تعرض المسلمون للتهميش والإقصاء وطردوا من الجيش، ووصف البوذيون -وهم الأغلبية الدينية في بورما- المسلمين بأنهم "قاتلو البقر" واستخدموا لتحقيرهم كلمة "كالا" التي تعني أسود البشرة.
 
وتكررت المذابح ضد المسلمين بتحريض من أجهزة الأمن والرهبان البوذيين، لكن غالبيتها تمت في ظل تعتيم شبه كامل فرضته السلطات العسكرية، وما فضح المذابح الأخيرة منذ عام 1997 وحتى الآن هو ثورة الاتصالات التي جعلت التعتيم صعبا بدرجة تقارب الاستحالة.
 
وجاءت ردود الأفعال من الهيئات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف والفاتيكان وشخصيات عالمية مثل ديزموند توتو كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق، ومنظمة التعاون الإسلامي، والعديد من دول العالم، خاصة مصر والسعودية وإندونيسيا، على قدر الحدث الذي لاقى إدانة واسعة وشديدة لمخالفته للمواثيق والأعراف والقيم الدينية كافة، لكن لم نشهد تحركا من دولة كبرى لمنع العدوان على أقلية لم تقترف جرمًا سوى أن دينها غير ديانة الأغلبية، برغم تشدق هذه الدول بحقوق الإنسان واستخدامها لهذه الحقوق سلاحًا ترهب به بقية الدول.
 
وأكدت مصر بلد الأزهر الشريف على المستويات والأصعدة كافة دعمها لجميع الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى معالجة الوضع الإنسانى المتفاقم نتيجة هذه الأزمة، وطالبت الأسرة الدولية بالتجاوب مع المساعي التي تبذلها منظمة التعاون الإسلامي لإيجاد حل فعال ومستدام لهذا الوضع السياسي والإنساني الخطير.
 
وأكد فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف أن المذبحة التي تدار بحق مسلمي الروهينجا "تاريخ من العار لن يمحوه الزمن لميانمار"، وقرر فضيلته قيام الأزهر الشريف من منطلق مسئوليته الدينية والإنسانية والتزامه برسالته العالمية بتحركات إنسانية على المستويين العربى والإسلامى والدولى، لوقف المجازر التى يدفع ثمنها المواطنون المسلمون في ميانمار.
 
ولا يتوقف تأثير اضطهاد الروهينجا عليهم وحدهم، بل تمثل المذابح المرتكبة ضدهم عبئا على دولة بنجلاديش المجاورة لميانمار، التي لجأ إليها 300 ألف من الروهينجا استقبلتهم برغم ما تعانيه من ظروف اقتصادية صعبة، لينضموا إلى معسكرات اللاجئين الروهينجا في بنجلاديش التي تأسست عام 1978 عقب فرار 200 ألف روهينجي نتيجة لعملية "الملك التنين" التي نفذها الجيش البورمي، وشهدت قتلا وتدميرا للمساجد في ظل استهداف واسع للأقلية المغلوبة على أمرها.
 
أمام مشهد التطهير العرقي للروهينجا، الذي يمثل استعادة لبربرية العصور الوسطى في مطلع القرن العشرين يقف العالم مكتوف الأيدي، وكأن الأمر لا يعنيه، ما دفع البعض للقول إن كون الضحايا من المسلمين دفع العالم لتجاهل مأساتهم، وسط موجة عاتية من الادعاءات الكاذبة التي تروج للإسلاموفوبيا، والكرة الآن في ملعب الدول التي ترى نفسها "كبرى" وسيحدد أسلوب تعاملها مع هذه الكارثة موقفها الحقيقي مما تدعيه من احترام لحقوق الإنسان.