معالجة التهرب الضريبي.. هل هو حل نهائي؟

 بلال العبويني

ليس بمقدور دولة في العالم، حتى الدول المتقدمة تشريعيا ورقابيا، القضاء على جرائم التهرب الضريبي، حيث بلغت قيمته عالميا 240 مليار دولار بحسب تقديرات البنك الدولي في تقرير أصدره العام الماضي.

يشير التقرير إلى أن "الشركات متعددة الجنسيات هي أكثر من يتهرب من الضرائب"، وغالبا ما تلجأ تلك الشركات إلى الملاذات الضريبة الآمنة لتفلت من الرقابة على أرباحها.

في الأردن، كما يؤكد مختصون إن أكثر المتهربين ضريبيا هم الأفراد، في حين أن الشركات المسجلة رسميا لدى الجهات الحكومية غالبيتها تدفع ما هو مفروض عليها من ضرائب، وإن كان ثمة غير ذلك فإنه من المفروض أن الحكومة تعلم به، وبالتالي تحتاج إلى قرار جريء لتحصيل المبالغ المترتبة على تلك الشركات. 

الأفراد المتهربون ضريبيا، غالبيتهم من أصحاب النفوذ، سواء أكان ذلك بسبب المكانة المالية أو بسبب المنصب الذي شغله الفرد في الحكومة مثل ما أشارت إلى ذلك "أوراق بنما" التي نشر موقع "عمان نت" تحقيقا استقصائيا عنها العام الماضي.

  "أوراق بنما" أشارت إلى أن "760 شخصا يقيمون على الأراضي الأردنية، جُلّهم من حملة الجنسية الأردنية، يساهمون في قرابة 3400 شركة أوف شور، مسجلة في ملاذات ضريبة آمنة أبرزها جزر العذراء البريطانية، برأسمال مصرح به بلغ مجموعه نحو180 مليون دولار"

التقرير الاستقصائي أوضح أن من أصحاب شركات "الأف شور" من كان في موقع رئيس وزراء حيث ارتكب مخالفات أيضا من نوع تأسيس شركات "أوف شور" قبل مغادرته موقعه بثلاثة أشهر.

المقصود من التقديم السابق الإجابة على أسئلة من نوع:

أولا: هل بمقدور الحكومة القضاء على التهرب الضريبي؟، الجواب بالتأكيد لا، لكن بمقدورها التخفيف منه.

 

ثانيا: هل لدى الحكومة معرفة بالأفراد أو غالبية من يتهرب من دفع الضريبة سواء على دخوله أو أرباح شركاته؟. الجواب بالتأكيد لديها علم، فمن الأفراد المتهربين ضريبيا من كان في موقع المسؤولية يوما ما، كما أوضح تحقيق "أوراق بنما".

ثالثا: هل تعلم الحكومة بالشركات التي تستخدم الملاذات الآمنة كشركات "الأف شور" للتهرب الضريبي؟ الجواب بالتأكيد تعلم عن ذلك، لكننا لم نسمع أن الحكومة اتخذت إجراء واحدا تجاه الشركات والأفراد الذين ذُكرت أسماءهم في "أوراق بنما".

الرابع: هل معالجة ملف التهرب الضريبي والتحصيل الضريبي من شأنه أن يحل مشكلة الاقتصاد الأردني؟ الجواب في الوقت الراهن وحسب ما هو مصرح به أن الحكومة تحتاج لمعالجة الخلل في الموازنة إلى قرابة 500 مليون دينار، وأن قيمة التهرب الضريبي تبلغ ضعف ذلك الرقم (مليار دينار).

بيد أنه لن يكون بمقدور الحكومة تحصيل المليار دينار، لأنه كما قلنا القضاء على جرائم التهرب ضريبيا يبدو أمرا مستحيلا عالميا وليس محليا فحسب، لكنه بمقدورها تحصيل نصف الرقم أو نحوه وهو ما من شأنه أن يغطي حاجة موازنة 2018.

نعلم أن الأمر ليس بالبساطة التي يعتقدها البعض، لكنه وحتى وإن كان كذلك فإنه لا يكفي لحل مشكلة الاقتصاد، وهو ما يحتم على الحكومة أن تسارع إلى التخفيف من التهرب الضريبي إلى الحد الأدنى ومعالجة مسألة التحصيل الضريبي بشكل علمي قابل للتطبيق على أرض الواقع ودون أن يكون في التنفيذ استثناءات لأي كان.

الدولة الأردنية، بعد كل ذلك تحتاج إلى بناء اقتصاد استراتيجي تغادر فيه منطقة المنح والمساعدات، من جهة ، ومن جهة أخرى لا تمد فيه اليد إلى جيوب المواطنين، لأن استمرارها في ذلك يعني أننا نعيش في فشل لا شفاء منه أبدا.