استطلاع جديد في الأردن يظهر رأي عام معتدل بشكل مفاجئ

معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى

  

 

 الانباط - مأمون العمري

  نشر  الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى ديفيد بولوك   استطلاعا قال بانه أجري  في الاردن  خلال شهر آب الماضي تناول فيه عدة محاورا  من ابرزها :- العلاقات مع الولايات المتحدة ، التعاون مع إسرائيل ، الحرب على الارهاب الجهادي ، والعلاقة الاردنية –الفلسطينية  ، ويرى بولوك وهو يقرأ نتائج الاستطلاع ان الاراء والنسب كانت مفاجئة  وتختلف عن استطلاعات  الرأي السابقة ، واشار بانها شهدت تغييرا ايجابيا .

 وتاليا  ننقل لكم وعبر" الانباط " ترجمة لما كتبه بولوك  وهو زميل اقدم في المعهد يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط ، وفي السابق، عمل كمستشار رفيع المستوى في مشروع "الشرق الأوسط الكبير" بوزارة الخارجية الأمريكية في عام 2002. وفي هذا المنصب، قدّم استشارات في السياسات المتعلقة بقضايا الديمقراطية والإصلاح في المنطقة مع التركيز بشكل خاص على حقوق المرأة. كما عمل كمحاضر زائر بجامعة هارفارد ومدرس مساعد بجامعة جورجتاون، وسافر إلى العديد من بلدان الشرق الأوسط ولديه شبكة اتصالات قوية مع الحكومات والأكاديميات وقطاع الأعمال في مختلف أنحاء المنطقة

 

فيما يجتمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقادة الأجانب في الجمعية العامّة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، تظهر بيانات استطلاع جديد أنّ جدول أعماله القاضي بمحاربة الإرهابيين الجهاديين والتصدّي لإيران وتوسيع الحوار العربي-الإسرائيلي يتمتّع باستمالة شعبية كبرى في أحد البلدان العربية الرئيسية على الأقلّ: الأردن. فقد أظهر استطلاع موثوق أجري هناك الشهر الفائت أنّ عددًا كبيرًا من الأردنيين يملكون اليوم وجهات نظر معتدلة بشكل غير مُتوقّع حول كل هذه المواضيع وغيرها، بما في ذلك الإصلاح الإسلامي والعلاقات مع الولايات المتحدة، وحتّى التعاون مع إسرائيل. وفي هذا المجتمع على الأقلّ، تُعدّ هذه النتائج صادمة جدّاً لدرجة أنّها تقلب الحكمة التقليدية حول "الشارع العربي" رأساً على عقب.

أولاً، في ما يتعلّق بالإرهاب الجهادي، تأتي الحرب ضدّه في أعلى قائمة الأولويّات الشعبية الأردنية للسياسة الأمريكية في المنطقة، وبعد جهود حلّ الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بقليل. ويقول نصف الشعب الأردني إنّ الأولويّة الأولى أو الثانية يجب أن تكون "توسيع الولايات المتحدة دورها في محاربة "داعش" و"القاعدة"، والمجموعات الإرهابية المماثلة". وهناك منظمة أخرى تصنّفها الولايات المتحدة بالإرهابية وهو "حزب الله" الشيعي، ويكاد لا يتمتّع بأي دعم شعبي في الأردن. فقد حظي بأربعة في المئة فقط، ما يُعدّ تراجعاً حادّاً مقارنةً بقبل بضع سنوات، عندما كان يُنظر إلى هذه المجموعة بأنّها تواجه إسرائيل بشكل ناشط.

وفي السياق نفسه، تضاعفت نسبة الأردنيين الذين يفضّلون إعادة تفسير معتدلة للإسلام خلال السنتَين الأخيرتَين، رغم أنّهم أقلّية. واليوم، يقول 39 في المئة "إنّنا قد نُصغي إلى من يحاولون بيننا تفسير الإسلام بشكل أكثر اعتدالًا وتسامحًا وحداثة". وبالمقابل، حصلت جماعة "الإخوان المسلمين" المتطرّفة المتشدّدة على تأييد أقلّ. فربع الأردنيين فقط يقولون إنّهم يتمتّعون برأي "إيجابي نوعاً ما" حيال المنظمة، وهي النسبة نفسها تقريباً كما في الاستطلاعات السابقة.

وفي ما يخص صنع السلام العربي-الإسرائيلي، وبشكل مفاجئ أكثر، توافق نسبة مذهلة توازي 85 في المئة من الأردنيين على هذا التصريح: "على الدول العربية الاضطلاع بدور جديد في محادثات السلام الإسرائيلية-الفلسطنية، مقدّمةً للطرفَين حوافز لأخذ مواقف أكثر اعتدالاً". ويشكّل هذا جوهر الاقتراحات الأميركية والإسرائيلية الحالية، ويتمتّع بصدى غير متوقّع على المستوى الشعبي في الأردن المجاورة.

 

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ ثلث الرأي العام الأردني يؤيّد بعض أشكال التعاون مع إسرائيل الآن، قبل اتفاق سلام إسرائيلي-فلسطيني. ويقول 33 في المئة إنّه "بالرغم من الخلافات بين الطرفين، يتعين على الدول العربية العمل مع إسرائيل على مسائل أخرى مثل التكنولوجيا ومكافحة الإرهاب واحتواء إيران". ويشير هذا إلى اختلاف نوعي عن الاستطلاعات في العامَين 2014 و2015 عندما رفض الأردنيون بشكل كبير، على غرار الشعوب العربية الأخرى التي خضعت لاستطلاع الرأي هذا آنذاك، فكرة أي شراكة ترتكز على مصالح مشتركة (أو أعداء مشتركين) مع إسرائيل.

وأمام هذه العقلية المعتدلة الجديدة، يجب ذكر تحذيريَن. أوّلاً، تعبّر غالبية ضيقة من الأردنيين (55 في المئة) عن رأي إيجابي بحركة "حماس" التي لا تزال ترفض السلام مع إسرائيل، بالرغم من أنّ هذا تراجع من نسبة 72 في المئة المسجّلة في أيلول/سبتمبر 2014، مباشرةً بعد حرب غزة السابقة. وثانياً، على مستوى أوسع، إنّ الشعب الأردني اليوم قلق من المشاكل المحلّية أكثر من المسائل العربية-الإسرائيلية أو الخارجية الأخرى. ويقول سبعة وثمانون في المئة إنّ "الإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلي هو حالياً أكثر أهميّة من أي مسألة سياسة خارجية أخرى بالنسبة لبلدنا". ويشمل هذا حوالى نصف الأردنيين (43 في المئة) الذين يشعرون "بقوّة" بهذا الأمر.

أما في ما يخص إيران ووكلائها الإقليميين الآخرين إلى جانب "حزب الله"، فتسجّل الأرقام انخفاضاً مذهلاً. فبالكاد اثنان في المئة يعبّرون عن رأي "إيجابي نوعاً ما" بإيران. وقد سجّل الحوثيون، وهم المتمرّدون المحسوبون على إيران في اليمن، تأييداً أقلّ إذ حصلوا على نسبة واحد في المئة. ويقول ثلثا الأردنيين إنّه في النزاع الحالي بين قطر والدول العربية الأخرى، "الأهمّ هو التوصّل إلى أقصى درجة من التعاون العربي ضدّ إيران".

أخيراً، وفي ما يتعلّق بالولايات المتحدة، لا يزال الأردنيون مصرّين على رأيهم العام السلبي تجاه سياستها الشرق أوسطية؛ فبالكاد عبّرت نسبة 9 في المئة عن رأي مؤيّد. إلّا أنّ روسيا حظيت بنسبة أقل فسجلت نسبة 1 في المئة. وفي تناقض كبير، حظيت سياسات تركيا الإقليمية على 59 في المئة من التقييمات الإيجابية.

غير أنّ هذا الاستطلاع يطرح سؤال متابعة جوهري لا تطرحه الاستطلاعات الأخرى: بصرف النظر عن التصنيفات الأفضلية، كم هو مهمّ بالنسبة إلى الأردن بأن تتمتّع بعلاقات جيّدة مع كل دولة أجنبية؟ كانت الإجابات على هذا السؤال إيجابية أكثر بكثير حيال الولايات المتحدة: تعتقد غالبية الشعب الأردني، أي 58 في المئة، أنّه من المهمّ التمتّع بعلاقات ثنائية جيّدة. وتؤكّد أقليّة ضئيلة فقط، أي 9 في المئة، أنّ "الأمر الأجدى نفعاً الذي يمكن للولايات المتحدة  القيام به الآن" هو "التخفيف من تدخّلها في منطقتنا".

وبشكل عام إذاً، يؤمّن هذا الاستطلاع بيانات موثقة لدعم حكم غير معتاد: قد تحظى مبادرات سياسة الشرق الأوسط الأمريكية الحالية بدعم عربي ملحوظ، وليس وسط النخبة فحسب، لكن على مستوى الشارع العربي أيضاً. وعلى وجه الخصوص، اكتسب مبدأ جبهة إقليمية مشتركة ضدّ الإرهاب الجهادي وطموحات هيمنة إيران، ولصالح سلام عربي إسرائيلي، قاعدةً صلبة بشكل غير متوقع. وفي هذا الإطار، حتّى فكرة التنسيق المباشر مع إسرائيل حول مسائل مقلقة مشتركة، بالرغم من أنّها لا تزال رأياً أقلّياً، تكتسب جاذبية غير مسبوقة وسط الرأي العام العربي.

ملاحظة منهجية: شمل هذا الاستطلاع مقابلات وجهاً لوجه مع عيّنة تمثيلية بأرجحية جغرافية مؤلّفة من 1000 مواطن أردني. وقد تمّ إجراؤه في شهر آب من قِبَل شركة محترفة محلية كجزء من استطلاع بحثي حول السوق التجارية. إنّ هامش الخطأ الإحصائي هو حوالى 2.9 في المئة بمجال ثقة بنسبة 95 في المئة.