كيف ينجح الإرهاب ويحقق طموحاته

كيف ينجح الإرهاب ويحقق طموحاته

أنس الطراونه


تأتي غالباً الهجمات الإرهابية على شكل أهداف إستراتيجية عندما تمارس ضغوطاً على خطوط الصدع ويكون لها هدف ضيق نسبيًا. فالجمع بين الكفاءة التكتيكية في المهارات الإرهابية والرؤية الإستراتيجية أمر نادر الحدوث – وخطير , تحديداً عندما تكون فعالة. فإذا وصل الإرهاب إلى هذه المرحلة , أعتقد بأن دور مكافحة الإرهاب ليس فقط لوقف الأضرار التي لحقت بحياة الإنسان والممتلكات، ولكن أيضا لمنع الهجمات من الارتقاء بالنظام السياسي.

إن الهجمات الإرهابية، شأنها في ذلك شأن الكوارث الطبيعية، لها القدرة على تشكيل تاريخ البشرية -  فإن كلاهما يعمل على إحداث تحولات جذرية في حياة الدولة . لكن خلافا للكوارث الطبيعية ، فإن الناس الذين يُنظمون الهجمات الإرهابية لديهم القدرة على اختيار الزمان والمكان، وفي كثير من الأحيان استغلال خطوط الخطأ السياسية أو الاجتماعية التي يمكن أن تسرع الاتجاهات.

في حقيقة الأمر ساهمت التكنولوجيا والتطورات السياسية والاقتصادية ، والأيديولوجية والنظرية في خلق الحركات الإرهابية . حيث تنتهي دورة الهجوم الإرهابي بـــ "مرحلة الهروب والاستغلال" – أي تسدد الجماعات الإرهابية عملها وتجمع منافعها السياسية وتنتهي مؤقتاً في ذاك الزمان والمكان . لكن ما هي تلك الأرباح، ولماذا تسفر بعض الهجمات على عوائد أكبر من غيرها؟

لو أخذنا مثالا على الفعالية التكتيكية والإستراتيجية للإرهاب (أحداث مدريد 11 مارس 2004)  والتي من خلالها انفجرت محطة قطارات "أتوشا رينفي" خلال فترة ساعة الذروة الصباحية بشكل متناسق زمنياً بواسطة شنط ديناميت محشوة بمسامير مُتزامنة مع هاتف نقال. حيث أسفرت هذه الإنفجارات عن مصرع 191 شخصا وإصابة حوالي 2000 آخرين . - فمن الناحية التكتيكية وتوقيتها ، نفذ التفجير بشكل جيد, حيث كانت الأجهزة تعمل على النحو المنشود ، لغرس أقصى عدد من الضحايا ، كما أدى إلى توقف نظام السكك الحديدية العامة في مدريد .- ومن الناحية الإستراتيجية ، كانت عملية من أفضل الأمثلة على هجوم يحقق هدفه المنشود. ففي الأسابيع التي سبقت الانفجارات دعت القاعدة إلى ارتكاب أعمال عنف ضد اسبانيا للإطاحة بالحزب الشعبي الحاكم الذي دعم الحرب بقيادة الولايات المتحدة لغزو "العراق"  عام 2003 , من خلال إرسالها لـ 1400 جندي اسباني هناك.

يذكر أن حزب الشعب كان يتمتع آنذاك بالراحة وقيادة ثابتة على حساب منافسه حزب العمال الاشتراكي الإسباني حيث كانوا على موعد مع انتخابات يوم 14/مارس .. لكن من بعد 11 مارس  وحسب استطلاعات الرأي انخفضت نسبة شعبية الحزب الحاكم إلى 5% ، مقارنة مع إرتفاع الحزب الاشتراكي 5% . وشرع الاشتراكيون في الفوز في هذه الانتخابات، وفي غضون شهرين انسحبت القوات الاسبانية من العراق. ومن الجدير بالذكر أن قوات الأمن الاسبانية وبعد تحقيق مطول أثبتت أن لا ضلوع للقاعدة والتوجهات الإسلامية بهذه التفجيرات وإنما كانت مجرد إستيحاء من مجموعة إرهابية بأفكار القاعدة . بالمحصلة حققت هذه المجموعة الإرهابية انتصارا نادرا ونظيفا لسجل الإرهاب.

أخيراً .. إذا ربطنا أفكار هذه التنظيمات الإرهابية بغض النظر عن توجهاتهم سواء كانت مجموعات أو على شكل ذئاب مُنفردة سنصل إلى نفس النتيجة إلى حد ما ,  كما حصل أخيراً في لاس فيغاس . فمنذ إستلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سدة الحكم , وهذه الأحداث تتكرر بازدياد , لاسيما أنها فترة رئيس أثار الجدل حول استلامه للحكم " أي أنه مازال له معارضة شرسة داخلية ", وحول توجهات قراراته الصارمة بالدول المجاورة لأمريكا أو بالدول الغير قانعة كـ إيران ومليشياتها في دول المنطقة , فتهديد ترامب بوقف الاتفاق النووي لايران وحجب بعض الدول من السفر لأمريكا فمن المحتمل أن ينتج عنه ردة فعل كهذه  . حتى لو نظرنا لما أبعد من أمريكا – كـ بريطانيا وانفصالها من الاتحاد الأوروبي , ومحاولات صعود اليمين في الأنظمة الأوروبية فليس صدفة بأن تتشابه الأحداث الإرهابية لهم زمنياً بهذه التوقيت//