البطش بالثنائيات الحياتية للأردنيين في عصر" الملقي"

وليد حسني

يُعرف المجتمع الأردني بتنوُّع خياراته وثقافاته وعلاقاته، ومداخله ومخارجه، وللحقيقة فإن من أهم مميزات الأردني أنه يمتلك خاصية العلاقات بمخرجين تستطيع ان ترى النهايات من خلالها قبل ان تبدأ باستكشاف البدايات.

هذا على الصعيد الإجتماعي وتفاصيل المعاش اليومي، وهو مجتمع متآخ ومتسامح، وتفعل الكلمة فيه فِعل السكين الساكنة في قطعة الزبدة..

هذا أيضا على صعيد العلاقات الإجتماعية بين الأردنيين، ويتمظهر هذا في تفاصيل حياتهم اليومية المعيشية..

وعلى الصعيد السياسي والإقتصادي فلا تبدو تلك الخصائص مؤهلة للغياب أو التغييب، فالأردني من اكثر مواطني الكرة الأرضية دفعا للضرائب، ومن اكثر مواطني الكرة الأرضية الذين لا يرون عوائد ضرائبهم وانعكاسها على تفاصيل حياتهم اليومية والمعيشية.

ميزة الصبر الشعبي الأردني والتسامح تنتقل في العادة من المعاشي اليومي الى السياسي الإقتصادي، فالأردني يغضب قليلا من الحكومات ومن سياساتها الإقتصادية، ويصرخ وينتقد ثم يركن لفضيلة التسامح وينكفىء على صدره يشكو جرحه لقلبه، وقلما يستخدم يديه في التعبير عن غضبه من سياسات بلده.

هكذا تم تعويد الأردني بكل فئاته العمرية وشرائحه الثقافية والسياسية ومداميكه الإجتماعية على تلك الفضائل السمحة، وهو ما يوفر وبالضرورة لكل الحكومات المتعاقبة أرضية شعبية داعمة لكل سياساتها ومن حيث لا يشعر الأردني بأنه يعمل بوظيفة واقي الصدمات لحكوماته.

وانتقلت هذه الأرضية من الحكومات الى البرلمانات، فقد حرص الأردني لشدة تسامحه وثقته وصبره على انتخاب ممثليه في السلطة التشريعية ممن يقاسمونه تلك الصفات الحميدة، وهو ما منح الحكومات خط دفاع آخر داعما لها هو مجلس النواب ليصبح شريكا رئيسيا في الزواج الكاثوليكي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

إن ميزات الصبر والتسامح المتبادلة بين عمودي الوطن، بالرغم من ردات الفعل الشعبية التي تصل احيانا الى حد الإحتجاج بالصراخ الناعم في وجه الحكومات ، فإنه ريثما يهدأ ويصبح امرا واقعا يعمل الأردنيون على التكيف مع معطياته وهو ما يمنح الأردني ميزة لا تتوافر في المجتمعات الإنسانية الأخرى وهي ميزة التكيف السريع التي تجعل منه مجرد عجينة يتم تشكيلها وفقا لرؤى وطموحات الحكومات وسياساتها وقراراتها.

الأردنيون يعيشون هذا الأوان في عصر الرئيس هاني الملقي، وهو عصر تتواصل معطياته ونتائجه الكارثية على الأردنيين وتتناسل تفاصيله من مواريث الحكومات التي خلت من قبلها، كما يوازيها تناسل الصبر الأردني والرضا الشعبي بـ"المقسوم"، فالرضا في عرف الأردني"كنز لا يفنى..".//

في عصر الرئيس الملقي لا تبدو ميزة الثنائية الأردنية قابلة للإنسحاب أو التراجع، وفي عهده لا بد من رؤية سياساته التفريقية بين تلك الثنائيات التشابكية التي صنعت المجتمع الأردني وحفظته من كل تقسيم على خطوط البسط والمقام..

في عصر الرئيس الملقي قد لا تكون امام الأردني الطيب فسحة من البذخ المجاني ــ مثلا ــ لطبخ الأكلة الشعبية"المجدرة" بكامل ثنائيتها التاريخية المعهودة من الأرز والعدس، وعلى الأردني الإكتفاء بمكون واحد فإما استخدام العدس او استخدام الأرز وعلى الأردني التكيف مع وصفة الطبخ الجديدة، إذ لا يجوز في شريعة الرئيس الملقي الجمع بين الاخوين"الأرز والعدس" في طنجرة واحدة..

وفي عصر الرئيس الملقي لا يجوز طبخ المنسف بمكوناته الثلاث الرئيسية الأرز واللبن واللحم، وعلى الأردني الجميل الإكتفاء بمكون واحد فقط، وعليه بذل الغالي والنفيس للتكيف مع وصفة المنسف الجديدة وفقا لشريعة السيد الملقي..

هنا يذهب السيد الملقي في سياساته الإقتصادية المحلية إلى أبعد مما يتخيله احد، فهو يطلق الرصاص من حيث لا يشعر على رأس ميزات الشعب المتمثلة بالصبر والتسامح والتكيف والرضا، والثنائية الإجتماعية والمجتمعية، بدءا من مطبخ الطعام البسيط وانتهاءا بالمطبخ السياسي..

في عصر الرئيس الملقي تتعرض ثنائية الحياة للأردنيين للبطش، وهو امر قد لا يستطيع الأردنيون معه اللوذ بميزة التكيف والتسامح، لأن الإستمرار بها يعني الوصول الى مرحلة"الهبل".. وهذه ميزة لا يحبذها الأردنيون في أنفسهم..