"جلوة الدم" ارث ثقيل مرفوض نظريا ونافذ بقوة العرف

الانباط

تتمزق عشرات الاسر الاردنية سنويا، وكأنما أصابتها لعنة. بلا مقدمات يجد صغار وكبار انفسهم "ضيوفا مرحبا بهم على مضض" في ديار جديدة يصير التأقلم فيها تحديا مؤرقا. عناء وشقاء مرده الامتثال القسري لـ"جلوة الدم" بعد مقتل شخص على يد احد الاقارب البعيدين. فالتكلفة الانسانية العالية موضع رفض لكن لا احد يوليها اهتماما لحظة "فورة الدم".. قضاة عشائريون ورجال قانون ومسؤولون الحوا كثيرا ويلحون كثيرا على مغادرة هذا الارث الثقيل القادم عبر القرون، لكن شيئا من التغيير لم يحدث..

ويبقى سؤال المعاناة قائما يلقي بظلاله على نسبة عالية من المجتمع، خصوصا حيث تستتب ثقافة العرف والامتثال في اقسى تجلياتها..

بيت الاسرة لم يعد هو، ولا مدارس الاولاد، ولا الجيرة، فضلا عن خسائر طائلة تنكب بها العائلات التي تخضع للجلوة التي يقول احد متضرريها ان الغالبية تقف ضدها نظريا بينما تلتزمها عمليا.

يتساءل متضرر ما اذا كانت "جلوة الدم" تمثل اداة للضبط والربط؟. يتساءل كذلك عن قدرة الوعي على ضبط اضرارها في حدودها الدنيا؟ .. 

واخيرا يتساءل عن مغزى الحديث عن الدولة المدنية التي تنفذ قوانينها بلا تردد، بينما يمتثل المجتمع والدولة لاعراف اقل اضرارها هذا التمزق الذي تنكب به عشرات الاسر سنويا إن لم تكن أكثر؟ هذه الحال المستقرة منذ قرون، يدرك استاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي، ان الفوز في مواجهتها صعب المنال في مجتمع تشكل القبيلة والعشائرية والعائلية بنيته الاساسية.. الخزاعي يرى ان حزم الدولة في انفاذ قوانينها يشكل سندا لتغيير البنية الثقافية في مجتمع نسبة التعليم العالي فيه اكثر من 30 بالمائة، لافتا الى ان سلم التنمية البشرية يظهر الاردن دولة متقدمة في كثير من مؤشراته.

ولا يرى الخزاعي فرقا بين "حال اليوم والحال قبل 150 عاما، فالجلوة باقية باقية ..ما تغير فقط هو انخفاض طفيف في اعداد من "يجب ان يرحلوا من ديارهم".

وقال ان "احدى الجل وات قبل سنوات تسببت في اجلاء اكثر من 1200 مواطن".

يأسف القاضي العشائري الشيخ بركات الزهير "لانه لا توجد اذن صاغية للملاحظات والدعوات التي تطلق"، معتبرا ان "هناك مزاجية في التعامل مع بعض الاجراءات المتعلقة بالعادات والاعراف العشائرية، حيث ان الجلوة يجب ان تكون بالاصل جزاء فرديا، الا اذا تبين من تحقيقات الجهات الامنية بان للقاتل شركاء في عملية القتل. واضاف انه "من غير المقبول ان يقوم ابو المغدور بتسمية عشرين او ثلاثين او اكثر اسما او اسرة تشملهم الجلوة لانه امر غير منطقي وغير مقبول، فهذه مزاجية لا بد من وقفها". وقال "انه ضد جلوة النساء والاطفال والمرضى والموظفين وطلبة الجامعات والمدارس والتي ينفذها احيانا الحاكم الاداري بمزاجية".

وطالب بعقد مؤتمر عام بمشاركة الوجهاء وشيوخ العشائر والمعنيين لتوضيخ واجلاء عدد من الامور ومنها القتل العمد وهتك العرض وتقطيع الوجه وحرمة المنازل وختمها واصدارها بتشريع قانوني.

وطرح الزهير معالجة قضايا القتل العمد وهتك العرض باتباع وتطبيق الشريعة الاسلامية على مرتكب مثل هذه القضايا لاغلاق ملف الجلوة والدية للابد.

القاضي العشائري كامل القرعان قال ان "القانون لا يأتي على ذكر الجلوة لكنه اجراء يقوم به الحاكم الاداري حقنا للدماء وتشمل العطوة حسب العرف العشائري عصبة الدم للجد الخامس فقط من غير الزوجة، خصوصا ان لم تكن من عائلة زوجها". واستغرب القرعان بعض التصرفات المتعلقة باجلاء النساء والاطفال، مؤكدا ان "العرف العشائري ومنذ سنوات تاسيس الدولة الاردنية لم يلزم النساء والاطفال بالرحيل الا وفق رغباتهم بالرضا وليس الاكراه، والقول ان المراة تلحق زوجها هو تعبير عن مشاركة الزوجة لزوجها في اعباء الحياة وهو امر غير ملزم قانونيا وبالرضا".

ودعا الشيخ خلف الحماد إلى عقد مؤتمر وطني عام يشارك فيه شيوخ ووجهاء العشائر وقادة الرأي ورجال الدين والإعلام برعاية رسمية، لتدارس ومعالجة الإجراءات السلبية التي تنتج عن تطبيق الأعراف والعادات العشائرية والتي حصرت سابقاً في قضايا القتل العمد والعرض وتقطيع الوجه.

وقال ان المطلوب من هذا المؤتمر الخروج بتوصيات تنتهي بصيغة توافقية حول الإجراءات التي تتبع في هذه القضايا، إضافة إلى الاتفاق على موضوع الجلوة العشائرية التي شكلت في بعض الحالات حالة كارثية على بعض العائلات في المجتمع. وأكد أهمية التوافق حول الاجراءات المتعلقة بالجلوة من حيث مكانها ومن هم الافراد الذين تقع عليهم الجلوة، داعياً لأن تكون الجلوة فقط على الجاني وعائلته حسب دفتر العائلة، مشيرا الى وثيقة موقعة بهذا الخصوص اعدت عام 1999 لكنها لم تطبق ولم تفعل.

واستهجن الشيخ الحماد دفع مبالغ مالية "فراش عطوة" عند أخذ العطوة كون ذلك انتهى منذ عام 1985 عندما شكلت لجنة حكومية في ذلك الحين ووضعت توصيات بهذا الخصوص موثقة وموقعة.

وأكد أن أهمية عقد المؤتمر تأتي نظرا لان الأحوال والظروف لم تكن قبل عشرين او اربعين عاما كما هي الأحوال والظروف حاليا، فقد تغيرت كثيرا وارتفع عدد السكان بشكل كبير، مما يدعو للقيام بمراجعة العادات العشائرية المتبعة وذلك للتخفيف عن الناس. ودعا الشيخ ضيف الله الكعيبر الى عقد مؤتمر وطني حول القضاء العشائري برعاية ملكية يشارك فيه شيوخ ووجهاء عشائر وقضاة ومحامون ورجال دين للوصول الى اجماع عام وتوافق حول القضاء العشائري ليقترب من منطق القضاء المدني.

وشدد على ضرورة ان تكون الجلوة محصورة فقط بالجاني، مؤكدا على استثناء النساء من الجلوة وترك ذلك اختياريا لهن في حالة حدوث جرائم دم.

الشيخ عبدالحافظ الهباهبة، يدعو الى تسريع التقاضي في المحاكم لحسم كثير من القضايا التي يستمر التقاضي فيها سنوات.

واضاف انه آن الاوان لمراجعة كثير من الامور المتعلقة بالاعراف العشائرية، خصوصا الجلوة. وتساءل عن جدوى شمول الاخ والاخت والاعمام والاقارب بالجلوة.

وقال ان ان الله يقول "ولا تزر وازرة وزر اخرى".

واكد الشيخ الهباهبة "ان المراة لاتدفع بالدية ولا تأخذ بالثار وليس عليها جلوة هي والاطفال لكن المراة مخيرة ما بين بيت زوجها او بيت اهلها بدون اولادها لكن العرف درج على ان المراة تلتحق بزوجها اختيارا".

كما اكد "لا يوجد شي اسمه فراش عطوة وقد الغي باتفاق شيوخ عشائر المملكة"، مبينا انه اذ تم واخذ طرف فراش عطوة فعلى الطرف الاخر اعتبار ذلك جزءا من الدية.

ودعا الى عقد مؤتمر وطني من اجل الاتفاق على صيغ تحقق تقدما على هذا الصعيد.

واعتبر ان "هناك بعض الصلاحيات الجائرة تمارس من قبل بعض الحكام الاداريين"، منتقدا اجراءاتهم في استخدام سلطاتهم في التعامل مع قضايا الدم والعرض والثأر.

وانتقد الشيخ عبدالله الهدبان الجلوة ونتائجها التي تشكل احيانا عقبة في وجه الاصلاح، مؤكدا اختصارها على القائم بالفعل وان يكون هناك تسريع في اصدار الاحكام القضائية خاصة في قضايا القتل العمد وهتك العرض. (د.حسن محاسنه ود. زهير الطاهات / بترا)