الملك، بعيداً عن الواقع الأردني أم ناكراً له؟!

 

خاص بالرهان - بقلم صبا حداد - لقد طالعت أمس أبرز ما قاله الملك عبدالله الثاني في لقائه مع محطة الـ"بي بي سي" مُستغربة ما ورد على لسانه وبخاصة عن الشأن الأردني، حيث وجه اتهاماً - إن صحّ القول - مفاده "أنّ المعارضة لن ترضى مهما فعلنا"، وهي جملة "مُعمّمَة" استفزت قلمي للكتابة بهذا الشأن، وبخاصة في ظلّ بطء بل جمود عملية الإصلاح في الأردن على مختلف المستويات وارتفاع مستوى الاحتقان لدى الشعب الأردني بدليل "أحمد المطارنة" المظلوم من قبل الدولة، "ياسين الزعبي"، الرجل الذي أراد أن يحرق نفسه في دائرة الأراضي، ومظالم كثيرة لا سبيل لحصرها تظهر جلية في الاعتصامات الفئوية التي يقوم بها - على سبيل المثال وليس الحصر - المعلمين، المتقاعدين العسكريين وعمال المياومة، إلخ. 

الرسالة التي وجهها الملك عبر هذا التصريح رداً على سؤال يتعلق بتعامل الأجهزة الأمنية مع النشطاء وأحزاب المعارضة تندرج في سياق الترويج لديمقراطية الأردن كما اعتاد النظام أن يفعل في المحافل الدولية، إلاّ أن الأحداث على أرض الواقع تناقض هذا القول على أكثر من صعيد.

على الصعيد الأمني، يواجه النشطاء والمعارضين كافة أشكال الترهيب من قبل الأجهزة الامنية، ورغم قيام جهاز الأمن العام تحديداً في حماية الاعتصامات والمسيرات إلا أنّه عاجز عن الحماية فعلياً لأنّ الأجهزة الأمنية الأخرى تمارس "من تحت الطاولة" ترهيباً للنشطاء لردعهم عن المشاركة في الحياة العامة وأذكر في هذا الشأن استدعاء عدد من الشباب النشطاء في حي الطفايلة - عمان إلى المخابرات العامة، وتوجيه تهم إطالة اللسان لنشطاء من الطفيلة بسبب الهتافات، وفجر اليوم تحديداً، تمت مداهمة منزلي طالبين من جرش واعتقالهما ومصادرة حاسوبيهما ولا تُعرف الأسباب حتى لحظة كتابة هذا المقال، وحوادث أخرى كثيرة ذكرت بعضها في مقالات سابقة. أما استخدام الملك للـ"دليل الحاسم" وهو "أنه لَم يمت أحد خلال عام من المظاهرات"، فالحياة ليست "مكرمة" بل حق إنساني، واستخدام هذا الدليل له دلالات خطيرة وكأنّه من المفترض أن يموت كل من يعبّر عن رأيه أو يطالب بحقوقه وأنّ هذا هو الأمر الدارج في التعامل مع النشطاء والمعارضين، وأنّ الحياة منّة من النظام والملك لكل مَن يعترض. لكن، في هذا السياق أيضاً لدي "الدليل الحاسم" الذي يناقض قول "جلالته" وهو الشهيد "خيري جميل" الذي توفي تحت عصيّ الأجهزة الأمنية ومعاونيهم في أحداث (24 آذار) الماضي على دوار الداخلية، و"جلال الأشقر" الذي لا يزال يتعالج من آثار إصابته بطلق ناري في ظهره يوم (15 آيار) الماضي، أحداث ساكب، جرش، سلحوب، ساحة النخيل في (15 تموز) الماضي، وهذا باعتراف الناطق الرسمي باسم الحكومة "ركان المجالي" بوجود ظاهرة "البلطجة"، وغيرها من الممارسات الواضحة "من فوق الطاولة".

أما بأنّنا كنشطاء ومعارضة - لن نرضى مهما فعلوا - في إشارة إلى عملية الإصلاح فلا أدري حقاً ما هي الإنجازات التي قام بها النظام ولَم نرضَ عنها؟! 
على صعيد الإصلاح السياسي لا تزال "المكرمة" الديمقراطية بانتخاب رئيس الوزراء مؤجلة حتى إشعار آخر، وقانون الانتخابات غير جاهز رغم تصريح الملك بأنّ الانتخابات البلدية والنيابية ستكون هذا العام، أمّا التعديلات الدستورية التي زُفّت إلينا ببهرجة إعلامية رسمية فتطبيقها مؤجل أيضاً لثلاثة أعوام دون الخوض في مدى الرضا عنها من قبل أطراف المعارضة والشارع الأردني. 
من جانب آخر، الملف الاقتصادي العالق ما بين تصريحات الخصاونة "صاحب الولاية العامة" والمتناقضة في مضمونها من تصريح إلى آخر، فقد أعرب أمام النواب عن استعداده لفتح ملفات الخصخصة ومراجعتها ليناقض نفسه في تصريح آخر أمام الملك بعدم الرغبة في "فتح ملفات الخصخصة القديمة". أمّا مكافحة الفساد التي تبدو خجولة جداً بالمقارنة مع حجم قضايا الفساد حيث يبدو تردد النظام وتخبطه جلياً في التعامل معها، ففي عام كامل لَم يتم الحسم في أيّ من قضايا الفساد المعلنة على الأقل. 

مما سبق لا يسعني سوى أن أستنتج أحد أمرين، إما أنّ الملك بعيد عن الواقع الأردني ومنفصل عنه أو أنّه يُنكر أحداثاً علّمت في وجدان الأردنيين سواء بالسلب أو الإيجاب، وهذا يثير حفيظتي وحفيظة كل إنسان يتوقع من "الحاكم" أن يكون قريباً ومطلعاً على واقع بلاده ونبض شعبه وهمومه.