ليلى العطار.. وأسطورة الحرية..!

 

 الانباط


اكتملت أسطورة ليلى العطار بموتها...! 

فقد ولدت كأنها لم تلد ولم تمت..! 

في الوقت الذي كانت تنهال الصواريخ الأمريكية فوق سماء بغداد قبل عشرين سنة.. تحصد أرواح الأطفال وتغتال أحلامهم.. تقتل الأجنة في الارحام.. وتكتم أنفاس الكلمة واللون والنغمة.. لم تجد الفنانة العراقية ليلى العطار سوى فُرشاتها وألوانها وذاكرتها المليئة بالقهر والألم على نخل بلادها الذي يغتال بلا وجه حق..!

ليلى استخدمت سلاحها الملون وريشتها لتواجه بها الصواريخ والقنابل المليئة بالدم والحقد.. فقامت برسم لوحة كاريكاتورية لبوش الاب ووضعتها على ارضية مدخل فندق الرشيد.. المكان الأبرز لعقد المؤتمرات الصحفية ومكان إقامة كبار الشخصيات العراقية والعالمية ايام نظام صدام حسين...

جميعنا نذكر تلك الصورة.. فكل من عليه دخول الفندق كان عليه ان يدوس على صورة بوش الاب المسؤول عن ارتكاب جرائم حرب بحق العراقيين وفرض الحصار الاقتصادي على أطفالهم لسنوات طويلة قبل أن يكمل بوش الاب المهمة وتتم فبركة أكذوبة الأسلحة الكيماوية والإرهاب وتهديد الأمن العالمي إلى آخر الفيلم الهوليودي.. 

اثارت تلك اللوحة غضب الادارة الامريكية وقواتها ومخابراتها.. لم يندرج ذلك العمل ضمن حرية التعبير والديمقراطية الأمريكية.. فقد تعلق الأمر بالرئيس.. وهذا تجاوز للخطوط الحمراء والزرقاء والبيضاء..! 
لذلك وفي مساء ليلة عراقية من عام 1993.. والقمر البغدادي يرسم لوحات سماوية تتحدى ألوان القتل.. تم اطلاق ثلاثة صواريخ امريكية على بغداد استهدف احدهم بيت الرسامة ليلى العطار واحالها وعائلتها أشلاء..!

لوحة دموية رسمها من يتظاهرون بأنهم حراس الديمقراطية والحريات في العالم .. لوحة اختلطت فيها الألوان بالدماء وانتزعت الحياة من قلب ليلى واطفالها.. ورقصت آلة الدمار بعدها فرحا بانتصارها على اغتيال الحرية والكلمة..

وقتها ادعت القوات الأمريكية انها أخطأت في الاحداثيات لحظة إطلاق الصواريخ.. وان استهداف منزل الرسامة كان بمحض الصدفة الهوليودية..!

هذا الموت الرمزي جعل من ليلى أكثر قدرة على ذلك الوجود الذي جسدته بلوحاتها منذ رسمت غروب العالم، والأحلام المستحيلة..!

فليلى ككل من مسه الجمال بالأسئلة والذهول.. طارت يومها في سماء بغداد كفراشة استقرت على نخل دجلة والفرات..!!

ما جريمتها.. ؟؟

لا شيء سوى انها تجرأت واستلت سلاحها الملون في وجه الدمار والظلم.. فرسمت صورة جورج بوش على ارضية فندق الأمر الذي اعتبرته الادارة الامريكية اساءة لرئيسها!

لم تدرك وقتها أن تلك ستكون لوحة موتها..! 

اعتقدت ان ذلك العام المتحضر لن يخذل الفن ..!

اين هي حرية التعبير...؟

اين هي حرية ابداء الرأي...؟

اين القانون في قتل الرسامة...؟

وما ذنب زوجها واطفالها.. الذين تطايرت اشلاؤهم في سماء بغداد..!!

أين حقوق الطفل والإنسان التي تتغنون بها وتركبون الدبابات بحجة الدفاع عنها..؟
كل ذلك لم يسأل عنه أحد.. !

فحين يتعلق الأمر بالروح العربية.. تسقط كافة المعادلات وتضطرب القوانين وتتكسر المبادئ.. 

لماذا رسم صورة مسيئة لبوش تقتضي قتل من رسمها، بينما يقتضي الاستهزاء من الرسول والسخرية من خلال الرسوم الكاريكاتيرية منا ان نسكت وان نبلع الاهانة؟

لماذا يحق لرسامي فرنسا والدنمارك وغيرهم ان يرسموا صور نبينا كيفما يحلو لهم.. وعلينا أن نسكت، إذ يندرج ذلك تحت مسمى حرية التعبير..!

لماذا ذلك الارهاب الفكري ..!

لا وألف للإرهاب بكافة أشكاله ..! 

لا للكيل بمكيالين.. القتل مرفوض..!

ولكن اعذرونا يا عالم يا متحضر.. اتركوا ولو مساحة بسيطة لاحلامنا كي نرسمها حتى ولو في عالم الخيال..!!

أعطونا قليلا من حرية الرأي فنحن مذبوحون من الوريد إلى الوريد.. ودماء أطفالنا فاضت في كل مكان.. ومخيمات المهجرين أصبحت أكبر من مساحات مدنكم ..! 

ليلى تسألكم يا أهل الحريات من فوق نخلتها.. 

- لماذا يَرفع العالم كله صوتا واحدا "انا شارلي"؟

بينما يُدير لي ظهره يعذبني دون حتى ان يمنحني حق الموت . 

أم لأنني عربية أصبح موتي أمرا روتينيا ومجرد رقم تتسابق عليه نشرات الاخبار.. نكمل بعدها الحياة بكل بلادة وكان شيئا لم يكن!

أم تراكم يا أهل الأناقة والاتيكيت تعتقدون أنكم وحدكم من ينزعج من صوت الرصاص في حين اننا نطرب على صوته يعزف لنا سيمفونية الصباح ويطربنا كل مساء ولا تغرد طيورنا الا على أنغامه ..!

أعطونا فقط القليل من العدالة باسم الانسانيّة، دعونا نتساوى معكم على الأقل في الموت بعد ان اصبح من المستحيل ان يحدث ذلك في الحياة ..!!

دعوا العالم فقط يسمع أننا نموت أيضا.. ان أحلامنا توأد قبل ان تولد ..!

اعرفوا من هو عدوكم..! 

ام تراكم تعرفون وتتجاهلون ..!

يكفيكم استخفافا باحلامنا وعقولنا..!!

اااااه على زمن لن يكون لنا اًبدا .. فهذا الزمن هو زمن شارلي .