الرد المختصر على فهم رنا الصباغ المبتسر

 

التجربة التركية ليست بنت ساعتها ولكنها حصاد تحولات عميقة في البنية الفكرية والثقافية للمجتمع التركي

لهذه الأسباب كان الأستاذ الشيخ فتح الله كولن صاحب القدح المعلّى في التغييرات التي تشهدها تركيا

لماذا هذا الإصرار على تشويه الإسلام وربطه بالتخلف والاستبداد

الأتراك لم يستلهموا النموذج الغربي بل طوَّروا واقعهم وتجربتهم استناداً لتراثهم

الجذور الإسلامية لحزب العدالة والتنمية دفعته لإقامة دولة المواطنة وحفظ حقوق الناس

هل حرية الإعلام تعني نقل الصحفيين في بطون الدبابات وقتل من يخرج عن الخط المرسوم؟

لماذا هذا التحريض للجيش التركي للانقلاب على الديمقراطية؟

أين هي الديمقراطية الغربية والمعايير الدولية أمام اللوبي الصهيوني؟

افتحوا ملف المجازر الغربية في فيتنام وهيروشيما والعراق وفلسطين قبل الحديث عن مذابح الأرمن
ما هو سر هذا الربط المتعسف بين حركة الخدمة وحزب العدالة والتنمية

بقلم بلال حسن التل - 

 يصر بعض الكتاب والصحفيين في بلادنا, على تقمص دور القاضي الفاسد, الذي يحكم وفق هواه, دون مراعاة الأدلة والبراهين. وفي هذا السياق يمكننا فهم مقال السيدة رنا الصباغ المعنون بـ "كيف يفتن العرب بدكتاتور تركيا الجديد وعدالة حزبه". فالسيدة التي ترأس مؤسسة للصحافة الاستقصائية, والتدريب عليها, قذفت في وجوه القراء مقالاً لا علاقة له بما تدعو إليه من الحرص على استقصاء الحقيقة. بما يذكرنا بمن وصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى: (أتأمرون الناس بالمعروف وتنسون أنفسكم). وهي ظاهرة منتشرة في أوساطنا الصحفية والإعلامية, تجسد حالة الفصام النكد بين أقوالنا وأفعالنا. ولعلّ هذا من أهم أسباب تخلفنا وانحطاطنا. فنحن قومٌ نقول ما لا نفعل. بل نكثر القول ونكاد نعدم العمل. وبالتالي فإن غالبيتنا العظمى ينطبق عليهم قوله عزّ وجل (يا أيها الذين آمنوا لمَ تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون).



تبدأ السيدة رنا مقالها بتقرير ما تعتقد انه حقيقة فتقول (بدل ان تتطلع دول التحول العربي إلى المعايير الدولية وتجربتها التراكمية في الحاكمية الرشيدة, التعددية السياسية – نسمع إطراء متنامياً لتجربة الحكم في تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان الذي يبدو انه تحول إلى دكتاتور في نظر العديد من مواطنيه).



وهذه الفقرة التي تستهل الكاتبة مقالها بها, تثير العديد من الأسئلة أولها ما هي المعايير الدولية التي تريدنا السيدة الصباغ ان نحتكم إليها ؟ هل هي حماية الاحتلال وانتهاك حقوق الإنسان في فلسطين, أم في العراق, أم في أفغانستان؟ أم هي السجون السرية والسجون الطائرة التي ترعاها زعيمة الغرب, أعني الولايات المتحدة الأمريكية التي صارت قبلة دعاة المعايير الدولية؟ أم هي الازدواجية التي صارت سمة ملازمة للمواقف الغربية على وجه الخصوص؟



أم ان المعايير الدولية تتمثل في حرمان المسلمين من بناء المساجد في الغرب, إلا في أضيق نطاق وتحت أقسى الشروط؟ أم في الاعتداء عليهم اثناء عباداتهم؟ أم في منع المسلمات من ارتداء الحجاب حيث تتناسى أوروبا ومعها الولايات المتحدة الأمريكية حديثها عن الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد إذا تعلق الأمر بالمسلمين؟



ثم أين هي الحاكمية الرشيدة؟ هل هي في فساد ساركوزي, أم في فساد سلفه شيراك, أم في فساد العديد من رؤوساء وقادة الغرب, الذين زكمت روائح فسادهم المالي والأخلاقي الأنوف, وصارت عناوين رئيسة للصحف في بلادهم؟ ومع ذلك نجد بين ظهرانينا من يمجدهم ويصورهم على انهم ملائكة وانهم نموذج للحكم الرشيد.



أليس هؤلاء القادة الغربيون هم الذين احتضنوا, ورعوا, وحموا وما زالوا أنظمة الفساد والاستبداد في بلادنا, ولم يتخلوا عن بعضهم إلا بعد أن انتهت أدوارهم, مثلما جرى في مصر وتونس وغيرهما. في حين ما زالت الحاكمية الرشيدة المزعومة في الغرب ترعى وتحمي أنظمة أكثر استبداداً وفساداً في المنطقة العربية؟



ولا يقتصر الفساد في الحاكمية الغربية التي يزعم البعض انها رشيدة, عند حدود الممارسات المالية والأخلاقية الفاسدة, للزعماء الغربيين, أمثال الإيطالي برسكوني, بل إن الفساد يشوب عملية وصولهم إلى السلطة. فالديمقراطية الغربية هي ديمقراطية الأغنياء والأقوياء. فمن يستطيع خوض الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية أو البلدية في الغرب, ان لم يكن من أصحاب الملايين أو مدعوما منهم؟ ينفقون على حملاتهم الانتخابية ليحموا فيما بعد مصالحهم. وهل ينكر أحد دور مجمع الصناعات العسكرية الأمريكي في تحديد واختيار الرئيس الأمريكي؟ علماً بأن مظاهر التدخل في تحديد المسارات الديمقراطية الغربية والتحكم بمخرجاتها كثيرة ليس هذا مجال الخوض فيها.



وفي إطار الحديث عن الديمقراطية الغربية, التي هي أحد أعمدة الحاكمية الرشيدة والقاعدة الأساسية للتعددية السياسية كما يزعمون, نحب أن نسأل دعاة النموذج الغربي في بلادنا والمبشرين به. أين هي ديمقراطية الغربيين أمام اللوبي الصهيوني؟ وهل يجرؤ أحد من الديمقراطيين الغربيين على معارضة اللوبي الصهيوني, خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية, التي اضطر أحد أبرز سياسييها إلى إصدار كتاب بعنوان "من يجرؤ على الكلام" يكشف فيه حجم تكميم الأفواه خوفاً من النفوذ الصهيوني؟ فأي ديمقراطية هذه التي تُفصَّل وفق المصالح, ولا يجوز أن يمارسها الجميع خاصة معارضي مراكز النفوذ في العواصم الغربية؟ والأمثلة كثيرة ليس هذا مجال حصرها. لكنها إشارات بين يدي الرد على مقال السيدة الصباغ التي تصم آذاننا بالتبشير بالنموذج الغربي الذي نعيش تجلياته في فلسطين والعراق وأفغانستان. ونرصد هذه التجليات في واقع المسلمين في الغرب, وما يتعرضون له من تمييز عنصري واضطهاد ديني وعرقي.



أما الحريات الإعلامية على الطريقة الغربية التي تريدنا السيدة الصباغ أن نتطلع إليها, فإننا نتذكر معها حجم تزييف الإعلام الغربي لحقائق الصراع في بلادنا. وحجم الانحياز المطلق من هذا الإعلام للعدوان الصهيوني, ومن بعده الاعتداء على العراق وأفغانستان. وان نسيت السيد الصباغ, فلن ننسى نحن كيف حبس الجيش الأمريكي الصحفيين في بطون الدبابات أثناء عدوانه على العراق. وكيف فرضت الرقابة عليهم. بل وأبعد من ذلك, فانه ما زالت في ذاكرتنا جثث الصحفيين والإعلاميين الذين قتلهم أو جرحهم الجيش الأمريكي, لأنهم كانوا ينقلون رأيا مغايراً. وما زلنا نتذكر كيف تم التخطيط لقصف بعض الفضائيات لأنها خرجت عن بيت الطاعة الأمريكي قليلاً. وسجل الاعتداء على الحريات الإعلامية في الغرب طويل, بل لعلّ السيدة رنا تتذكر ان أبشع أنواع الاعتداء على الحريات الإعلامية هي سياسة الاحتكار الإعلامي التي مارسها الغرب طويلاً. وما زال, خاصة على صعيد وكالات الأنباء ووكالات الإعلان. وفي ذاكرتنا قائمة طويلة من الصحفيين والإعلاميين الذين فقدوا مواقعهم وكممت أفواههم, وكسرت أقلامهم عندما حاولوا الخروج عن الخط المرسوم. وان نسينا فلن ننسى السيدة هيلن توماس عميدة المراسلين الصحفيين في البيت الأبيض, وكيف خسرت موقعها بعد عقود من العمل لمجرد انها أجابت عندما سألها حاخام يهودي هل لديك تعليق حول إسرائيل؟ بقولها: (على اليهود ان ينصرفوا من فلسطين.. بحق الجحيم ليخرجوا من فلسطين ويعودوا إلى أوطانهم في ألمانيا وبولندا وغيرها) فهل هذه الحريات الإعلامية التي تبشرنا بها رنا الصباغ؟!



في نهاية الفقرة التبشيرية التي استهلت السيدة رنا الصباغ مقالها بها, خلصت إلى ان السيد رجب طيب أردوغان تحول إلى دكتاتور, في نظر العديد من مواطنيه. والحقيقة التي نحب أن نذكّر السيدة الصباغ بها هي انه لم يحدث في التاريخ البشري, أن اجمع الناس على شخص أو حقيقة بما في ذلك الأنبياء والرسل, بل لقد اختلف الناس على خالقهم.. تعالى الله ووسعت رحمته كل شيء. فهل تريديهم أن يجمعوا في تركيا على أردوغان؟ فلماذا لم تقل لنا السيدة رنا كم عدد الذين ينظرون إلى أردوغان على انه دكتاتور؟ وكم نسبتهم في المجتمع التركي؟ هل هم أكثر عدداً وأعلى نسبة من الذين ينتخبون أردوغان مرة بعد أخرى؟ فهل نحتكم إلى صناديق الاقتراع بصفتها مقياس الديمقراطية الحقيقية, التي تدعو إليها السيدة رنا أم نحتكم إلى شقشقة السنة الخاسرين من الديمقراطية, الذين هزمتهم صناديق الاقتراع؟ ثم لماذا هذا التمرد على صناديق الاقتراع والتشكيك فيها, والانقلاب عليها كلما أفرزت الإسلاميين؟ كما حدث في الجزائر وفلسطين, وكما نلمس الآن في مصر وغيرها؟ ولماذا ينسى دعاة الديمقراطية والحاكمية الرشيدة شعاراتهم إذا لم تأت نتائج صناديق الاقتراع وفق هواهم. وهل نفهم دعوة السيدة رنا الصباغ للجيش التركي وتحريضها له للانقلاب على الديمقراطية كما ورد في نهايات مقالها انها تؤيد سلسلة الانقلابات على الديمقراطية التي شهدتها بلادنا ابتداء من الجزائر إذ تقول في مقالها: (المؤسسة العسكرية التركية التي طالما نجحت في حماية العلمانية, قد تتحرك مرة أخرى في مواجهة نفوذ أردوغان وحزبه بعد فشل سياسات الأحزاب العلمانية والسياسية) فأين هو احترام الديمقراطية وصناديق الاقتراع إذ كنا سنستعين بالعسكر كلما جاءت النتائج مخالفة لهوانا؟ وهل هذه هي المعايير الدولية والحاكمية الرشيدة التي تبشرنا بها الكاتبة ومن لف لفها؟!



في الفقرة الثانية من مقالها تعرض الكاتبة بالتيارات الإسلامية, في إطار تعريضها بالتجربة التركية فتكتب (نسمع في عالمنا العربي الجديد منذ هبوب رياح التغيير عن احتذاء تيارات إسلامية مدعومة من واشنطن و"تجربة تركيا" أو "أنموذج تركي" وهي تحقق نصرا تلو الآخر في الانتخابات الحالية واللاحقة من تونس والمغرب إلى مصر) وان كنت أنا شخصياً ضد أي تحالف, أو تفاهم مع واشنطن, غير انني استهجن من الذين أفنوْا أعمارهم وسودوا مئات الصفحات, وهم يدعون إلى استلهام التجربة الغربية, ويبشرون بالنموذج الغربي, ويدعون للتعاون مع الغرب ثم يعتبرون ذلك سُبَّة إذا فعله الإسلاميون, مع تحفظنا على هذا الفعل أصلا. غير ان الذي نريد قوله ان التجربة التركية لم تستلهم النموذج الأمريكي, والتوجهات الغربية. لكنها تجربة مستمدة من الواقع التركي الذي تم تطويره استناداً إلى تراث تركيا. وهي لم تكن بنت ساعتها, ولم تكن وليدة صناديق الاقتراع. فالحقيقة ان التحولات السياسية في تركيا, والتي أدت إلى الفوز المتلاحق لحزب العدالة والتنمية, هي إفراز من إفرازات التحولات الجذرية في البنية الثقافية والفكرة التربوية التي شهدها المجتمع التركي منذ أكثر من خمسة عقود, والتي سنتعرض لها بعد قليل في سياق هذا المقال.



تنتقل الكاتبة بعد ذلك إلى فقرة مليئة بالمغالطات عندما تقول: (لكن الكثير منا لا ينظر إلا للجانب المعلن من المشهد أو ما يدعم توجهاته, قد يشكل هذا الحزب أنموذجا للتحول صوب الإسلام السياسي, لكن يتوارى خلف ذلك حكم شمولي بقبضة حديدية وثمة من يتهمه من الداخل بأنه وظَّف النمو الاقتصادي ليغطي الشمولية وقمع الحريات امتداداً لحقبة الاستبداد السابقة, صحيح ان حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان الذي هيمن في الانتخابات الثلاثة الأخيرة يقود الدولة دون أن يشكل تهديداً لنمط حياة المواطنين وحرياتهم بعد أن نجح في المزج بين القيم الدينية ومبادئ العلمانية, وفي تبني سياسات اقتصادية ليبرالية حققت معجزة نمو 9% سنوياً.



ويتعامل هذا الحزب مع حرية العقيدة على أساس ان (الدين لله, والوطن للجميع, لكن ليس لأنه حزب ذو جذور إسلامية يؤمن بالديمقراطية, بل لأنه يحكم تحت سقف جمهورية علمانية منذ 80 عاماً, وقوانين مدنية. وليس تحت سقف الشريعة الإسلامية على عكس غالبية الدول العربية) وهذا الكلام المرسل على عواهنه, فوق انه لم يقدم دليلاً واحداً على الأحكام الجائرة التي أصدرتها الكاتبة, مثل اتهام العدالة والتنمية بالحكم الشمولي والقبضة الحديدية. فإنه أيضاً مليء بالتناقض والمغالطات. وأول المغالطات التي يقع فيها الكُتاب الذين ينتمون إلى مدرسة الكاتبة وما شابهها من مدارس ثقافية وصحفية هي تصنيف الإسلام إلى إسلام سياسي, وغير سياسي, وإسلام اجتماعي, وإسلامٍ ليبرالي.. الخ وقد فات هؤلاء جميعاً أن الإسلام كلٌّ متكامل لا يمكن تجزئته وتفصيله وفق الهوى والفهم القاصر.



ثم إن الكاتبة لم تبين لنا أدلتها, على الحكم الذي أصدرته بأن العدالة والتنمية, وظَّف النمو الاقتصادي ليغطي الشمولية, وقمع الحريات. وهي الأسطوانة المشروخة التي يرددها النفر الذي يريد الانخلاع من كل القيود والقيم والقوانين. وأنصار هذا الانخلاع خاصة من الكتاب والصحفيين يتناسون القواعد الأساسية الناظمة للحريات, وأهمها "الحرية مسؤولية", و"تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين", و"احتكام الأقلية إلى رأي الأكثرية".



أما التناقض الذي وقعت فيه الكاتبة, فهو أنها بعد أن زعمت ان حزب العدالة والتنمية حزب شمولي صاحب قبضة حديدية, تعترف بأنه أولاً فاز في الانتخابات الثلاثة الأخيرة, أي انه يمثل إرادة غالبية الشعب التركي, مما ينفي عنه صفة الحزب الشمولي صاحب القبضة الحديدية الذي يفرض نفسه ومفاهيمه بقوة السلاح. خاصة وأنها تعترف بأن حزب العدالة والتنمية يقود الدولة دون أن يشكل تهديداً لنمط حياة المواطنين وحريتهم. فما هي الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة ان لم تكن احترام خصوصية المواطنين وحريتهم؟ وكيف يستقيم أن نصف حزباً بالشمولية والقبضة الحديدية وزعيمه بالدكتاتورية, ما دام يحترم خصوصية المواطنين وحريتهم وحقهم بالاقتراع لاختيار ممثليهم ومن يحكمهم, ويحقق لهم الرفاه الاقتصادي, وينقل وطنهم من ذيل القائمة الاقتصادية بين دول العالم إلى مقدمة القائمة ويضاعف معدل دخل الفرد السنوي؟!



أما المغالطة الكبرى التي وقعت بها الكاتبة, إما عن جهل, أو عن قصد. فهي قولها: إن حزب العدالة والتنمية "يتعامل مع حرية العقيدة على أساس "ان الدين لله, والوطن للجميع" لكن ليس لأنه حزب ذو جذور إسلامية يؤمن بالديمقراطية". فقد فات الكاتبة ان حرية الاعتقاد هي أساس من أسس الإسلام الرئيسة "لا إكراه في الدين" (لكم دينكم ولي دين). كما فاتها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم, أقام أول دولة مدنية في التاريخ البشري, وانه عليه السلام وضع أول دستور مدني في التاريخ هو وثيقة المدينة, التي كفلت لجميع المواطنين حرية دينهم ومعتقداتهم وممارساتهم. ورسول الله نفسه هو الذي استقبل وفد نصارى نجران في مسجده, وخصص جزءاً منه لصلاتهم وإقامتهم. وخليفته عمر رضي الله عنه هو الذي رفض الصلاة في كنيسة القيامة حتى لا يتخذها أحدهم ذريعة لتحويلها إلى مسجد. ولذلك نقول للكاتبة: لأن حزب العدالة والتنمية حزب ذو جذور إسلامية أقام في تركيا دولة المواطنة, وحفظ للناس حقوقهم. ولم يكن ذلك لأنه يحكم تحت سقف جمهورية علمانية وقوانين مدنية, ذلك ان تركيا ظلت منذ أتاتورك تحت حكم العسكر وبساطيرهم, وظل الجيش ينقلب على الديمقراطية كلما تبين للعسكر ان نبتتها بدأت تشتد. وهذا ما سنعرض له بعد قليل.



ومن التناقضات الصارخة التي وقعت بها الكاتبة وصفها للحقبة التي سبقت أردوغان بالاستبدادية لتعود وتقول بعد أسطر قليلة من مقالها: انه يحكم تحت سقف جمهورية علمانية منذ 80 عاماً وقوانين مدنية. فكيف يستقيم الاستبداد مع القوانين المدنية؟ وكيف يستقيم ذلك كله مع تحريضها للجيش كي ينقلب على نتائج صناديق الاقتراع؟



أما الخطيئة الكبرى فزعم الكاتبة, ان غالبية الدول العربية تحت سقف الشريعة الإسلامية. فلماذا هذا الإصرار على ربط الإسلام بالتخلف والاستبداد والظلم ولحساب من تتم عملية تشويه صورة الإسلام؟ فهل تدلنا السيدة رنا الصباغ عن الدول العربية التي تحكم بالشريعة الإسلامية؟ وما هو فهم السيدة الصباغ للشريعة الإسلامية؟ خاصة على الصعيد السياسي الذي تجعل المواطنة هي أساس التعامل بين الناس, في إطار العدل والحرية والمساواة, واختيار الحاكم ومحاسبته. أليست الشريعة الإسلامية هي التي جعلت الخليفة الراشد يقول للناس "من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومه" ليرد عليه واحد منهم قائلاً "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا", وهي الشريعة نفسها التي جعلت الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ينصاع إلى رأي امرأة اعترضت على قراره أمام الناس قائلاً: "أصابت امرأة وأخطأ عمر", ونصيحة للكاتبة وغيرها من الذين يقحمون الإسلام في كتاباتهم أن يكفّوا عن ذلك حتى لا يظلوا ينطقون عن هوىً وجهل, أو أن عليهم فهم الإسلام من مصادره الحقيقية ومن تجربته الحقيقية.



بعد ذلك تواصل الكاتبة سلسلة أباطيلها التي لا تقيم عليها دليلاً, ومغالطاتها التي يفندها بعض ما ورد في مقالها من حقائق, لم تستطع إنكارها. فتأخذ من توقيف بعض الصحفيين دليلاً على السجل الأسود للحريات الإعلامية, والسؤال هنا: من قال إن الصحفي والإعلامي محصن ضد التحقيق والتوقيف إذا مارس فساداً أو تآمراً؟ ولا نريد أن نذكر الكاتبة بارتباطات بعض الكتاب الصحفيين مع دوائر أمنية وعطايا هذه الدوائر لهم ليروجوا لهذه الدوائر, ما تريد أو لخفاء الحقيقة عن الجمهور. ولا نريد أن نذكر الكاتبة بصحفيين وكتاب يتعاملون مع العدو ويحولون الخيانة إلى وجهة نظر. ولا نريد أن نذكر الكاتبة بصحفيين وكتاب يستقوون بالخارج على دولهم. ولا نريد أن نذكر الكاتبة بصحفيين مارسوا الجاسوسية, وآخرين شاركوا في مؤامرات انقلابية. ألا يستحق هؤلاء أن يقدموا إلى القضاء؟



ومن المغالطات التي وقعت فيها كاتبة المقال ما قالته عن الأقليات والأكراد بالذات, فقد فات الكاتبة ان أردوغان هو أول زعيم تركي يعتذر للأكراد عما وقع في حقهم. ودعا زعيم المعارضة التركية للاعتذار لهم. كما انه وجه الكثير من خطط التنمية والتطوير إلى مناطقهم. مثلما مكَّنهم من خوض الانتخابات بحرية لفرز ممثليهم في مجلس النواب التركي.



أما حكاية مجازر الأرمن فهي كمن يقرأ "ولا تقربوا الصلاة". فإذا كان لا بد من فتح ملف مجازر الأرمن إن صح الحديث عن حجمها, فلا بد أن يتم ذلك في سياق تاريخي متكامل تُفتح خلالها ملفات مجازر الغربيين في افريقيا, ومجازرهم المستمرة في العراق وأفغانستان وفلسطين دون أن ننسى مجازر فيتنام والقنبلة الذرية في هيروشيما وناجازاكي. فالتاريخ لا يقرأ بانتقائية إلا من قبل أصحاب الهوى.



كثيرة هي الأخطاء التي وقعت بها رنا الصباغ في مقالها, مثل حديثها عن تسييس السلطة القضائية. وإثارة الشبهات حول الإنجازات الاقتصادية التركية, التي يعترف بها العالم وصارت مشبوهة من وجهة نظر الكاتبة. وهو أمر لا يليق بسيدة ترأس مؤسسة للصحافة الاستقصائية. فقد كان الأولى بها أن لا تحكم على تجربة شعب عظيم من خلال لقاءات محدودة, مع لون واحد من ألوان الطيف التركي. فلو قامت الكاتبة بعمل استقصائي لاكتشفت أن ما يجري في تركيا الآن من تحولات سياسية, هو إفراز طبيعي لتحول هائل في البنية الثقافية والفكرية للمجتمع التركي. لعب فيه علماء تركيا دوراً رئيساً, ودفعوا ضريبته غالياً دماً ودموعاً وتشرداً وسجوناً. وقد كان للأستاذ الشيخ فتح الله كولن مؤسس حركة الخدمة الإيمانية وهي حركة تربوية لا تتعاطى السياسية وليس لها علاقة تنظيمية بحزب التنمية والعدالة فلكل منهما كيانه ومنهجه ولا ندري سر هذا الربط المتعسف الذي قامت به الكاتبة بينهما إلا ان كان الهدف التحريض على كل ما هو إسلامي. أقول لقد كان للأستاذ الشيخ فتح الله كولن القدح المعلّى في إحداث هذا التحول عندما حدد أعداء الأمة بثلاث: الجهل, والفقر, والفرقة, فصرف جلّ جهده لمحاربة هؤلاء الأعداد من خلال بناء جيل جديد على أسس التربية الإسلامية الصحيحة, مزوداً بالعلم والمعرفة, المؤطرين بالأخلاق الإسلامية. جيل مزود بالمهارات والقدرات الإبداعية والإنتاجية, العمل لديه عبادة بعيداً عن السياسة وألاعيبها. وبفضل هذا المجاهد بالكلمة الذي لم يعرف عنه يوماً أنه نطق بكلمة واحدة تدعو إلى العنف. والذي عجزت كل أجهزة المخابرات التركية وغير التركية, أن تقدم دليلاً واحدا يربط بين الرجل وأتباعه وبين العنف والإرهاب. أقول بفضل هذا المجاهد واخوانه وتلاميذهم تقدم تركيا اليوم نموذج يُحتذى تم بناؤه من خلال الدعوة بالكلمة الطيبة ومن خلال التربية والقدوة. ومن خلال الإصرار على إخراج أبناء تركيا من الجهل, الذي كان يعم تحت حكم العلمانيين, بعد أن قام الأستاذ الشيخ فتح الله كولن وتلاميذه من إقامة شبكة من سكنات الطلبة غطت كل قرى وأحياء تركيا حيث احتضنت الفقراء, ورعت المبدعين, وهدت الضالين, لتقيم بعد ذلك أكثر من ألفي مدرسة داخل تركيا وفق أحدث المقاييس والمعايير العالمية للتربية والتعليم من حيث المختبرات, والمكتبات, والملاعب, والمسابح, وغرف الموسيقى, وصالات الفنون. بالإضافة إلى أكثر من خمس عشرة جامعة هي الآن أفضل الجامعات في تركيا من حيث الانفتاح على التقدم العلمي في العالم, بالإضافة إلى أكثر من ألف مؤسسة اقتصادية أقامها أتباع الأستاذ فتح الله كولن لتسهم في إنقاذ الاقتصاد التركي من الانهيار, وليحقق كل هذا القفزات التي تشهدها تركيا. وليقدم هؤلاء الرجال الذين ربّاهم أستاذهم وشيخهم فتح الله كولن على الخُلق الحميد, وعلى الإيثار, وعلى التضحية في سبيل الآخر البرهان على ان المجتمع المدني والقطاع الخاص يستطيعان إحداث التطور في مجتمعهم. إذا توفرت لهم القيادة الرشيدة كقيادة الأستاذ الشيخ فتح الله كولن, الذي إن كان قد أسهم بتقويض أسس العلمانية في تركيا كما أشارت إلى ذلك الكاتبة في مقالتها, فانه لم يفعل ذلك بالعنف والإرهاب, بل بالكلمة الطيبة وبالحجة وبالدليل المقنع. فكان هذا الحصاد الذي يستمتع به الشعب التركي الآن رغم انف الذين لا يرون الشمس من الغربال. لأن الهوى يقودهم إلى مهاوي نكران الحقيقة, ألهمنا وإياهم الصواب.