السكرتيرة بين مطرقة الحاجة وسندان التحرش

 

 

الأنباط – الهام الخلايلة

تحظى ظاهرة انتشار السكرتيرات بمكانة مهمة جداً في سوق العمل ، وتكاد لا تخلو مؤسسة رسمية او غير رسمية من وجود سكرتيرة او اثنتين على الأقل ، الغريب بالأمر بأن هذه السكرتيرة التي عادةً ما تكون الواجهة الرئيسة او جواز السفر للمؤسسة هي الأقل حظاً من حيث المعاملة ، وقلة الراتب .

بعد دراسةٍ حديثة للنقابة العامة للعاملين في الخدمات العامة والمهن الحرة  تبيّن أن عدد العاملات في مهنة "سكرتيرة" في الشركات والمؤسسات وغيرها يبلغ نحو سبعة آلاف فتاة معظمهن من حملة الشهادة الثانوية العامة والدبلوم ونسبة أقل منهن جامعيات بمختلف التخصصات ،  اضافة الى عدم شمول 85% منهن بالضمان الإجتماعي .

كما تبيّن أن عدد ساعات العمل يفوق عدد ساعات باقي الموظفين في ذات المؤسسة  دون أي احتساب لساعات العمل الإضافي ، فضلاً عن عدم حصولهن على الحد الأدنى للأجور ، وكذلك عدم وجود عقد عمل ملزم لكلا الطرفين .

من الجدير بالذكر أن عمل السكرتيرة لا يقتصر فقط على الأمور المكتبية بل يتجاوز ذلك الى البوفيه والضيافة والصيانة وتنظيف المكاتب ، وبعض الأمور الشخصية  التي لا تمت للعمل بصلة من قريب او بعيد.

وفيما يخص التأمين الصحي فقد أكدت النقابة عدم شمول 75%منهن بالتامين الصحي ، وعدم صرف بدل إصابة عمل في حال تعرضت إحداهن الى أي ضرر داخل المكتب الذي تعمل فيه .

وقد أفاد أحد مدراء المكاتب في حديث خاص للأنباط بأن السبب وراء عدم احتساب راتب مرتفع للسكرتيرة يعود إلى ضعف إمكانياتها وعدم إتقانها للأمور المكتبية وعدم إلتزامها بساعات العمل الرسمي فعادةً ما تأتي بعد موعد الدوام المقرر لها .

في حين أفادت السكرتيرة من ذات المكتب : بأنه لم يتم شمولها بالضمان ولا بالتأمين الصحي وكذلك قلة الراتب وكل هذه الأسباب تكفي لعدم انتظامها بوقت الدوام الرسمي ، وأنها تأتي للعمل فقط لعدم وجود بديل.

احدى السكرتيرات الحاصلة على شهادة جامعية تقول للأنباط  إن الأمر لا يقتصر فقط على شح الإمكانات المادية ، بل يتجاوز إلى ما هو أكبر ، فبالإضافة الى ذلك ، تفتقد الاحترام والتقدير ، وتشعر بأنها خادمة بوفيه لا أكثر ولا أقل ، فالشركة مكتظة دائماً بأصحاب ربّ العمل وتكاد لا تكف يداها عن عمل الشاي والقهوة ، وكل ذلك تحت بند (شكرا) ، فهو لا يصرف لها مستحقاتها المادية إلا كل شهرين مرة واحدة فقط ، وفي كل مرة تحاول محاورة صاحب العمل يقوم بتهديدها بالفصل ما لم تكف عن ( الزن) على رأسه ( على حد تعبيره) .

كل ذلك يتطلب ضرورة المراقبة الحثيثة للالتزام بأحكام قانون العمل الأردني فيما يتعلق بساعات العمل اليومية والإجازات السنوية والمرضية والعطل والأعياد الرسمية والعمل الإضافي وتوفير مستلزمات الصحة والسلامة المهنية لكافة العاملين في أماكن عملهن.

وفي ظاهرة مألوفة لدينا وليست غريبة البتة ، فقد تم رصد الكثير من حالات التحرش اثناء العمل ، ولكن بنسبة محدودة من قبل أصحاب المكاتب أو الموظفين وفق روايات مختلفة يندى لها الجبين  من قبل أصحاب الضمائر الميتة الذين استغلوا ظروفهن المعيشية الصعبة، فقد تعرضت الكثير من السكرتيرات إلى التحرش بجميع حالاته ، وفي كل مرة تنتهي القصة إما بالفصل من العمل أو بالتهديد أو بالفضيحة ، فلذلك آثرن الصمت واللوذ تحت حمى الستر خوفاً من انتشار الخبر ليقع ما لا تحمد عقباه .

وتقول م.ن للأنباط : في بداية الأمر بدا صاحب العمل رجل متزن اخلاقياً وفكرياً ، واستمرت الحال قرابة الثلاثة اسابيع ، وطيلة هذه المدة لم تر ما يخيف نظرها أو يربك مسامعها، ولكن فجأة بدت عليه علامات غريبة ، وأصبح يتردد كثيراً الى مكتبها دون اي مبرر يُذكر ، وأصبح يلاطفها بالحديث ، ويطلب منها ان تكون منفتحة أكثر وتكسر جميع الحواجز بينهما ، إضافة الى نظرات موحية تستطيع هي ادراكها.

وتتابع م.ن قولها للأنباط : من هنا بدأت أدرك بأن الأمور لا تسير بالاتجاه الصحيح ، وبأن وجودي هنا ان طال قد يساء فهمه ، فآثرت ان تترك العمل فوراً دون اي شروحات ، فهي تعلم تماما ما يخبىء لها كلاما وضيع من هذا النوع .

وقس على ذلك الكثير الكثير من الروايات والتي مع الأسف تكون ضحاياها قد وقعت حقيقةً في الفخ ، فتدني المستوي الاقتصادي والفقر هما من اهم اسباب تفشي هذه الظاهرة فالحاجة المادية الماسة للعمل تسهل استغلال الفتيات.. ولات مندمِ .

تقول نهى : تم استقطابي الى وظيفة مندوبة مبيعات لمواد تجميل وعند مقابلة المدير فقد كان واضحاً منذ البداية ، حيث اخبرها بأن هذه الوظيفة صعبة وقد تتعرضي لبعض المضايقات ، ولكن لم تكترث هي بالأمر فقد كانت حاجتها الماسة للعمل اكبر من اي شيء ، وأثناء تجوالها قرعت باب أحد المنازل ليخرج عليها شاب ويخبرها بضرورة الدخول فأمه وأخواته يفضلن رؤية نوعية المستحضرات التجميلية وبالفعل تقول نهى انها دخلت وبدت الأمور طبيعية وجلست مع أمه وأخته (كما تظن)، وحين ذهابهن الى الغرفة المجاورة لإحضار النقود ، خرج عليها الشاب وجلس الى جانبها موحياً ببعض الحركات غير السويّة  ، عندها أدركت انها وقعت في فخ (الشقق المفروشة ، بيوت الدعارة ) ، فسارعت الى الخروج وهي تصرخ ، وتحمد الله ان خلصها من براثن الوحل والفضيحة .

ولدى سؤال الأنباط لها  فيما اذا حاولت ان تقدم شكوى وتدلي بدلوها امام الجهات المسؤولة ، قالت بأنها لا تستطيع التفوه بأي كلمة ، وكلامها لن يؤخذ على محمل النية الصافية في مجتمع كهذا المجتمع.

اما هيا  فمن جهتها تقول بأن قصتها مختلفة  فقد عملت في مكتب اعلانات وبدا لها رب العمل مثقفاً وواعياً .. لا يمكن أن يصدر عنه العيب ، فوجئت به  وبعد 3 أيام من العمل اصبح يناديها للمكتب ، يقدم لها الهدايا ، ويشرح لها سوء علاقته بزوجته ، وفي اليوم التالي تفاجأت بعدم وجود المراسل ، وأثناء وقوفها بالمطبخ لعمل القهوة تفاجئت به كما لو أنه وحش أمسك بيديها وبدأ ينقض عليها كأنها فريسة ظفر بها ، تقول لا اعرف كيف تغافلته وهربت مسرعة دون أن ألتفت ورائي وهذه هي الحادثة التي لن أنساها طوال حياتي فقد تركت في نفسي أثرا حتى هذه اللحظة.

يذكر ان قانون العقوبات الأردني وبموجب أحكام المادة (306) منه قد عاقب على أفعال التحرش الجنسي تحت باب الفعل المنافي للحياء، وفرض عقوبات الحبس لمدة تصل الى ستة أشهر أو بغرامة مالية.

 اذ يجب العمل للحد من هذه الظاهرة ومواجهتها من خلال تثقيف وتعريف المرأة بحقوقها بالإضافة إلى التمكين القانوني للمرأة للدفاع عن حقوقها ورفع مستوى الوعي الثقافي والاجتماعي للمجتمع بخصوص قضايا التحرش ، وهتك العرض أو محاولات الاغتصاب.