أطفال يناجون بعيونهم قسوة الليل وبيع الورود

"الانباط" تكشف أسرار تسولهم بعد منتصف الليل

 

يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر

تسول الأطفال الجديد يبدأ الساعة العاشرة ليلا

 

الأنباط – هنا الخطيب

 

بعض المهن تحتاج لارباب عمل بلا قلوب، هذا ما اكتشفته حين قمت بالتخفي لكشف ما وراء المتسولين، خاصة الاطفال الذين يقومون ببيع الورود على الاشارات المرورية بعد منتصف الليل، والزامهم ببيع كل ما يحملوه حتى يستطيعوا العودة الى مكانهم، الذي لم استطع كشف اسراره بعد.

 

" اذا بتخليني اصورك بشتري منك وردة"، هذا ما قلته للطفلة التي تتحفظ "الانباط" عن ذكر اسمها، والتي هربت في المرة الاولى التي رفعت بها الهاتف بقصد تصويرها، كنت على احدى اشارات عمان الغربية، وكانت الطفلة تحمل ما يقارب 30 وردة، حتى كان يرافقها في العمل فتى لم يتجاوز عمره السادسة عشرة.

 

اقتربت مني وطلبت ان اشتري منها وردة، علما بأن الساعة تقترب من الواحدة صباحا، رفعت هاتفي وهربت مسرعة، خوفا من تصوريها، كنت في طريق العودة من ذات الشارع ووقفت لأشتري شيئا، لاحظت مناوشات بينها وبين الفتى، حيث بدا عليهما انهما شاهداني اركب السيارة قريبا منهما، وبعدها جاءت معاودة طلبها بأن اشتري منها وردة".

 

قالت بأنها سألت الفتى المتواجد معها اذا كان من الممكن ان اصورها، وبدوره قال لها بأن عليها طلب اجر زيادة على الوردة، رفعت هاتفي فأخفضت هي الورد، فطلبت منها رفعها "فأنا اريد ان اصور وردة تحمل وردا" هكذا قلت لها، ففعلت، واشتريت منها وردة فاوضت هي عليها وطلبت دينارين اثنين، لكنني اعطيتها واحدا فقط.

 

سألتها ما اسمك، فأجابت، وعمرها سبع سنوات، قلت لها لماذا انت في الخارج رغم تأخر الوقت، أجابت بحزن شديد "لازم ابيع الورد"، وببراءة طفلة اضافت " ما بقدر اروح على البيت الا لما ابيع الورد كله"، علما بأن عدد الوردات يقارب الـ 30 وردة، فأين هي الرحمة ممن أجبر هذه الطفلة الصغيرة على العمل بعد منتصف الليل.

 

بدا الحزن في عينيها، وأرادت المكوث مدة اطول لتمضي معي مزيدا من الوقت عَلَهُ ينسيها مشقة النهار وبرد الليل، لكن ذلك الشخص الواقف بعيدا قام بمناداتها، وجرت إليه لا حول لها ولا قوة، وهي تدعو الله بداخلها ان يحدث امرا ينهي معاناتها اليومية، احتفظت بصورتها لدي، فهاهي ابنة السبع سنوات تبيع الورد وفي عينيها حزن طفلة مسكينة، فهل تحقق احلامها في النهار، ام أنها تتجه الى اشارة مرورية اخرى لبيع الورد.

 

تسول بعض الأطفال أصبح عادة

اعتاد الاطفال المتسولون على التسول حتى وان لم يحتاجوا لاية نقود، وان لم يرغمهم احد فهم يمدون ايديهم لجميع الناس، حين كنت بالقرب من اماكن تجمعهم، مررت وكأنني لا انوى تصوير او استراق السمع على اتفاقياتهم، فركض طفلان عند الإشارة واقتربا مني، مد طفل في الخامسة يده يطلب نقودا "مشان الله ساعديني".

 

ما اثار استغرابي أن في يده شوكولاته جالكسي التي يبلغ ثمنها 75 قرشا، فما الحاجة من التسول اذن، والاخر احس بالخجل حين قلت له" انت طالع من دكانة وبتشحد"، فركضا عائدين الى خيمهم دون اي نقود، يبدو ان الاهل وقتها احسوا بأنني دخيلة على مكانهم لانني لم ادفع لهم، فدخلوا جميعهم دون اي كلام.

 

قريبا من منزلي الكائن في عمان الغربية، طفلة تبدو عليها علامات التسول، وبيدها كيس بلاستيكي اسود مليء بالـ"الاشياء الزاكية"، خرجت من السوبر ماركت امام عيني، وبمجرد أن رأتني اسرعت الي لتتسول " يا ست لو شلن بس اعطيني"، تأكدت وقتها بأنها خارج ساعات عملها، لكنها تريد ان تأخذ نقودا لشراء كميات اكبر من "الاشياء الزاكية".

 

لها وحدها، ما تريد ان تستفيد منه دون علم الاكبر منها، عادة اقوم بسؤالهم عن سبب عدم وجودهم في المدارس، فمنهم من يقول بأنهم يذهبون، ومنهم من يأبى الحديث عن الامر، علما بأنهم يقولون بأنهم في الصف الخامس او الرابع، دون الكشف عن معلومات اكثر.

 

خذوا المعلومات من أفواه الصغار

قد لا يدري طفل في سن السابعة عن حجم المأساة في بوح اسرار اهله، خاصة المتسولين الذين يظنون بأن الاسئلة الموجهة لهم هي دعوة للشراء، لكنها للاسف لا، فحين اسألهم عن حياتهم، اصبحوا على دراية بأنني استجوبهم، فلا يردون ويهربون، لكن الفتاة في قصة بائعة الورد " استسمحت من مرافقها وجاءت بعد اخذ "الاوكي".

 

سردها لتفاصيل تلك الليلة كان في قمة البراءة، ولو لم يَخَفْ ذلك الشخص ليقرر بعدها مناداتها فورا، لكان من الممكن ان تبقى لتجيب على قدر اكبر من الاسئلة، وحالها كحال طفلة توجدت في احدى مقاهي عمان الغربية، سألتها عن اسمها وعمرها فأجابت، لم يكن معها احد وكان المكان مكتظا وفي وقت متأخر في عتمة الليل ايضا.

 

كانت تبيع العلكة، برداء وردي، وجدولة، طلبت ان نشتري منها، لكنني ومن كان برفقتي حينها ألقينا عليها بوابل من الاسئلة، لم يزعجها ذلك، بل اعطتنا معلومات اكثر مما يجب، فهي في الصف الخامس ولديها مصروف يومي حوالي عشرين قرشا، تذهب الى المدرسة لكنها تبيع العلكة حين عودتها، ولا وقت للدراسة.

 

أوقات التسول تبدأ العاشرة ليلا

في احدى جولاتي لكشف اسرار المهنة، من افواه الاطفال، سألت طفلا كان يبيع العلكة على احدى اشارات عمان الغربية، كان ذلك حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا، سألته عن سبب بيعه للعلكة في الليل، فالناس لا تعلك في الليل وأجابني بأنه يجب ان يبيع العلكة حتى لو للفجر، لانه لا يستطيع العودة الى البيت، إلا عند انتهائها منه.

 

تحفظ عن الاجابة حين سالته: اذا كان ولو مرة ذهب للبيت دون ان يبيع شيئا فماذا يحصل، وبدا الخوف في كلامه حين قال " لا، لازم ابيعهم"، معترفا بأن دوره في البيع يبدأ الساعة العاشرة ليلا، وعن السبب قال " ماحدا براقب بالليل، واهلي ما بخافوا حدا يمسكني".

 

حدا يمسكني؟ هل يقصد الحكومة، ام عملية خطف، لم يحدد ولم اسأل اكثر، وظل يصر على ان اشتري منه، فقمت باعطائه النقود دون شراء شيء".

 

موقف القانون من التسول

قد تحوي المادة 389 من قانون العقوبات الاردني على بعض الثغرات التي قد تكون مسؤولة عن هذه الظاهرة، وتعرف الفقرة الأولى ( ب، ج، هـ)، من ذات المادة، المتسول، بالاستناد إلى حالته.

 

فوفقا للبند(ب) من الفقرة الأولى، فإن المتسول، هو من "استعطى أو طلب الصدقة من الناس متذرعا إلى ذلك بعرض جروحه أو عاهة فيه أو بأية وسيلة أخرى، سواء أكان متجولا أو جالسا في محل عام، أو وجد من يقود ولدا دون السادسة عشرة من عمره للتسول وجمع الصدقات أو يشجعه على ذلك"، وطبقا للبند(ج) من ذات الفقرة، فإن المتسول، هو من "وجد متنقلا من مكان إلى آخر لجمع الصدقة والإحسان أو ساعيا لجمع التبرعات الخيرية مهما كان نوعها بالاستناد إلى ادعاء كاذب".

 

وحسب البند(هـ) من نفس الفقرة، فإن المتسول، هو من" وجد متجولا في أي مكان أو مقربة منه أو أية طريق أو شارع عام أو في مكان محاذ لهما أو في أي محل عام أخر في وقت وظروف يستنتج منها بأنه موجود لغاية غير مشروعه أو غير لائقة".

 

وللمتسول عقوبته، كما يظهر من بقية نص الفقرة الأولى، ونصي الفقرتين 2 و3 من المادة 389. فتقول بقية الفقرة 1 "يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة أشهر أو أن تقرر المحكمة إحالته على أي مؤسسة معنية من قبل وزير الشؤون الاجتماعية للعناية بالمتسولين لمدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات، غير أنه يجوز لوزير التنمية الاجتماعية في أي وقت شاء أن يفرج عن أي شخص عهد به إلى أي مؤسسة بمقتضى هذه المواد وفق الشروط التي يراها مناسبة، كما يجوز له أن يعيده إلى المؤسسة المذكورة لإكمال المدة المحكوم بها إذا خولفت هذه الشروط".

 

بينما تقول الفقرة(2) "في حال تكرار الفعل المنصوص عليه في البندين (ب) و(ج)، للمحكمة أن تقضي بإحالته إلى المؤسسة المشار إليها في تلك الفقرة للمدة المذكورة فيها على أنه لا يجوز لوزير التنمية الاجتماعية الإفراج عنه إلا بعد أن يكون قد أمضى ثلث المدة المحكوم بها على الأقل، أو أن تقضي بعقوبة الحبس لمدة من ثلاثة أشهر إلى سنة إذا كان التكرار للمرة الثانية ولمدة من أربعة أشهر إلى سنة إذا كان التكرار للمرة الثالثة فأكثر".

 

في حين تقول الفقرة (3) "يعاقب كل من سخر الغير لارتكاب فعل من الأفعال المنصوص عليها في البندين (ب) و(ج) من الفقرة(1) من هذه المادة بالحبس مدة لا تقل عن سنة".

 

وحصرت المادة المذكورة مسؤولية استقصاء جرائم التسول، وإلقاء القبض على مرتكبيها، واستلام ما بحوزتهم من أموال وأشياء بوزارة التنمية الاجتماعية. وفي هذا الصدد، تقول الفقرة ( 4) " لوزير التنمية الاجتماعية تكليف موظف أو أكثر لاستقصاء الجرائم الواردة في هذه المادة حول التسول وجمع الصدقات والتبرعات والقبض على مرتكبيها، ولهذه الغاية يكون للموظف المكلف صفة الضابطة العدلية".

 

بينما تقول الفقرة (5) "في جميع الأحوال للمحكمة مصادرة الأموال والأشياء الموجودة في حوزة  من ارتكب أيا من الأفعال السابقة والأمر بتسليمها لوزارة التنمية الاجتماعية لصرفها على الجهات والمؤسسات التي تعنى بالمتسولين".