تغريد حكمت..... حلم الطفولة يصبح حقيقة في مهنة ميزان العدالة

سيدة القانون تنتصر على تحديات كبيرة حاطت بها خلال مسيرتها العملية

 

 

الأنباط – رنيم الدويري

 

تبوأ العديد من سيدات المجتمع مناصبا متنوعة، بعد جهود متتابعة لهن في خدمة مجتمعهن في كافة المجالات ليثبتن قدرتهن على دخول مختلف فرص العمل.

 

 الابداع خلق من امرأة الأردن أنموذجا يحتذى ليس أمام مثيلاتها من الجنسية، وإنما الاقتداء بها على المستويين العربي والدولي، للطموحات المترسخة بعقول صاحبات الخبرة والكفاءة، ليمتد ذلك التميز الى ميزان العدالة الذي يحكم بين الأشخاص بمدافعة ارتجالية.

 

استمرت مسيرتها أربعون عاما بالسلك القضائي وقطاع التعليم، عدا عن أنها فتحت الباب امام غيرها من القاضيات لممارسة المهنة وتحقيق مفهوما للعدالة الحازمة.

 

تغريد حكمت، حكمتها الظروف بمجاراة الزمن بكافة أبعاده، متحملة كافة الضغوطات وان ألحق ذلك ضررا بها، الا أنها اقتدت بصبر والدتها الذي أنشأ منها شابة منهمرة بالطموحات، والأهداف التي أرست بها على شاطىء حلم طفولتها المتمثل بدراسة تخصص الحقوق.

 

رغم ما حلمت به، الا ان الحياة حرمتها من مواصلة تعليمها عبر سلسلة من المراحل التعليمية، فأولها عدم دراسة الفرع العلمي من الثانوية العامة لعدم وجوده في محافظة الزرقاء، وتوفره بالعاصمة، مما اضطرت التطرق للفرع الأدبي ،وبعد اكمال الثانوية حصلت على بعثة في بيروت داخل الكلية الامريكية للفتيات وآنذاك لاحقها سوء الحظ واقترن بوفاة والدها.    

 

عانت في حقبة الستينات من كلام الناس عندما كانوا يقولون، "كيف سترسلون ابنتكم بعمر 17عاما الى بيروت رمز الانفتاح في العالم العربي"، وبعد ذلك تم تعينها معلمة بمجال التربية الفنية واللغة الانجليزية ، ولم يقف الأمر هنا بل رافقها طموح بلا توقف باصرارها على اكمال تعليمها خارجا عن التعليم ليس انتقاصا بل ان التعليم  باعتقادها "افضل مهنة للمرأة كون الرجل الشرقي يفضل المعلمة على ذات المهنة".

 

ومن ثم تزوجت تغريد وانجبت اطفالا ، وفي عام1973 اكملت بكالوريوس الحقوق ، وكان قدرها بعدم ممارستها لمهنة طفولتها خشية اهمال رعاية أطفالها، وتقول "الامومة فوق كل الطموحات"، لذلك قررت أن تبقى في التربية ، واستمر ابتعادها عن المحاماة لمدة 9 سنوات لبداية عام 1982.

 

 وتحدثت حكمت عن بعض الأسئلة التي وجهت اليها من قبل بعض الصحافيين ومن ضمنها ، ومن هي المرأة محامية وقاضية ؟ فاجابته" المحاكم غابة للرجال ولا يوجد فيها متسع للمرأة ، وأن المحامية تبحث عن حقوقها لكي تعطي الآخرين حقوقهم ولكن فاقد الشيء لا يعطية، ونوهت بانه في الوقت الراهن أصبحت تشتمل الغابة على أعداد هائلة من النساء".

 

بينما المرأة في القضاء "اذا أتيح للمرأة الاردنية أن تدخل السلك القضائي رغما من وجود بعض الاتجاهات الفقهية التي لا تؤمن بولاية المرأة للقضاء ، وتعهدت على نفسها آنذاك أن تكون أول امرأة قاضية في الاردن وأخذت المهمة على عاتقها أربعة عشرعاما .

 

ونجحت حكمت بتلك المهمة بتعيينها أول قاضية في الاردن عام 1996 عينت ، وسألت آنذاك من المجلس القضائي عن مكان العمل "يهمني دائما أن أعمل ضمن الثقافات العربية والاسلامية ، وأن تتعين مساعدا للنائب العام في القضايا الحقوقية".

 

وتحدثت عن دورها كقاضية "تقول هنالك سؤال يتوجه لها بأن المرأة عاطفية ، ففي عام 1997 حضرت محاضرات عن المرأة والقضاء وفوجئت بأحد استاتذة الجامعة قائلا "المرأة عاطفية لا تصلح للقضاء" في ذلك الوقت قالت له "صحيح ان المرأة عاطفية ولكن العاطفة ليست صفة سيئة لكي تتنصل منها المرأة بل هي ميزة ، والمرأة القوية ذات القرار المتزن والعادل والمدروس ليست هي المرأة التي لا يرف لها جفن امام قضايا العدالة وحقوق الانسان ، ولفتت انتباهه الى انها عاطفية وستدخل العاطفة للقضاء وبالاخص قضايا الاحداث".

 

وفي عام 2002 رُشحت من قبل وزير العدل ووزير الشؤون الخارجية لرئاسة المحكمة الجنائية الدولية وتفاجأت لذلك الترشح ولم تكن من ضمن الاحلام التي حلمت بها، وبحسبها عندما علم الاردنيون بالأمر تقول "لا أعلم لماذا قامت القيامة!! وطالبوا" يجب تشكيل لجنة وطنية لتختار مرشح الأردن" ومن ثم تم عرض الاسماء على جلالة الملك ليختار فاختارها مرة أخرى لأنه اختار امرأة وليس رجل تغييرا للنظرة السلبية تجاه المرأة العربية ، لوجود سيدات مؤهلات للقيام بمهام عليا .

 

وفي الامم المتحدة طالبوا بقاضية لتكون عضوا في المحكمة الجنائية برواندا في أفريقيا، فرشحت تغريد لذلك وطلبوا منها ان تذهب الى نيويورك لتعمل حملة انتخابية واستطاعت تغريد ان تقنع من حولها وحصلت على 152 صوتا

 

وكانت سعيدة لحصولها على عضوية المحكمة في روندا ليس لأسباب شخصية وانما لاتاحة الفرصة للاردنيين بصورة خاصة وللعرب بصورة عامة في تطبيق القانون الجنائي الدولي والقانون الدولي الانساني وارساء دعائم حقوق الانسان، وأمضت في أفريقيا عشرة سنوات.

 

وأعربت عن أبرز القضايا التي تولت الحكم بها في رواندا ومن ضمنها  محاكمة قائد الجيش ومدير الأمن ، ووزير الدفاع ومدير العمليات الذين اعطوا اوامر بارتكاب جرائم الابادات الاجتماعية وضحايا مليون خلال يوم ، وحكمت قساوسة أحدهم أمر بهدم الكنيسة على 12 ألف شخص ، وحاكمت أحد كبار رجال الأعمال وشجع القسيس على هدم الكنيسة ، وأمين العاصمة " لم يرتكب أي جريمة بحق نفسه واعترف بالذنب، واعتذر بأنه فقد انسانيته خلال الحرب وحكمته 11 عام لأنه بقي صامتا ولم يتخذ أي اجراء ضد مساعده الذي ارتكب الجرائم".

 

أتيحت لها الفرصة من خلال تواجدها في المحكمة الدولية ان تعطي محاضرات في جامعات مختلفة ومنها جامعة هارفارد 2006 – 2011 وكانت أحد 3 متحدثين رئيسين في اللقاء السنوي الربيعي ، ومحاضر في جامعة "سيتون هول" لاجراء برنامج لكافة كليات الحقوق في العالم في جزيرة "زنجبار" على المحيط الهندي عام 2007-2011 وموضوع المناقشة " الأشكال الحديثة للعبودية والاتجار بالبشر" ومحاضر في أعلى المؤسسات العسكرية في العالم  ،ومحاضر عن قواعد الاسلام في نيويورك .

 

وشاركت بأول مؤتمر قضائي دولي في جامعة هارفارد 2006 بمناسبة مرور قرن على انشاء المؤسسة الدولية الأمريكية في اميركا بالتعاون مع الكونغرس الامريكي وحينها قدمت ورقة عمل عن "أخلاقيات القضاء"، وتم نشرها ضمن مؤتمر جمعية التشيك في اوروبا .

 

وتم تكريمها بمسمى " المرأة المتميزة في القانون الدولي" وانت المرأة الثالثة في العالم تحصل على اللقب، عدا عن ذلك تعتبر أول امرأة رئيسة محكمة العدل الدولية ، ورئيسة محكمة حقوق الانسان في الولايات المتحدة ، وكرمت من الجامعة العربية كالمرأة المتميزة في حقل القضاء والقانون على مستوى الوطن العربي وحصلت على وسام الحسين للعطاء المتميز 2011.

 

وعندما عادت الى عمان ترأست محكمة الجنايات الكبرى، وهذا يعني توقيع قرارات الاعدام وبالمقابل تغريد من المناشدين لالغاء هذه العقوبة ، بعد ذلك قررت احالة نفسها على التقاعد من القضاء الاردني ، وتم تعيينها مؤخرا عضو في مجلس الاعيان .

 

وتحدثت عن صراعها مع مرض السرطان في عام 2008 ولكن ايمانا منها ان الحياة يجب ان نتحملها بكافة أشكالها، واستمرت تعمل في القضايا الموكوله اليها واصدرت قرارا بشأنها، وترأست المحكمة الجنائية الدولية خلال 2009-2010.

 

وأما عن التحديات قالت "تحديت نفسي لأكون سفيرا لبلدي ، لأعطي انطباعا عن وجود سيدات قادرات أن يحصلن على أعلى المناصب وتطبيق القوانين الدولية،والقدرة على التأثير بالآخرين " ،وتقول على القاضي أن يكون بعيدا عن السياسة ، وان السلام هو الحل للازمات في العالم.

 

وتطمح الى "أن تعمل على ايصال رسالة من خلال خبراتها للمجتمع ومحاضراتها مكافحة أشكال العبودية"،وهذه المسيرة زودتها بالمزيد من قوة الشخصية وخدمة الاخرين والاصرار ، اقتدت بوالدتها وهي كاتبة ولها كتاب "65 عام من حياة امرأة اردنية" وكانت تشجعها.